قرأ حمزة وحده: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ﴾ بالتاء للخطاب، وقرأ الباقون: ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ﴾ بالياء للغيبة، وفاعله ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أو ضمير يعود على السامع، وكسر همزة ﴿إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ﴾ في الموضع الثاني استئنافاً وتوكيداً عند الجميع، وقرأ الجمهور بفتح همزة ﴿أَنَّمَا نُمْلِي﴾ الأولى مفعولاً لتحسبن، وتنوين ﴿مُّهِينٌ﴾ بالرفع نعتاً لعذاب (النشر في القراءات العشر، ج٢، ص٢٥٢؛ التيسير، ص٩٢).
أسباب النزول وسياق الأثر:
كشف لقانون "الإملاء والاستدراج الإلهي"؛ رداً على غرور الكفار والمشركين والمنافقين الذين ظنوا أن طول أعمارهم وبقاء قوتهم ورغد عيشهم بعد أحد دليل على رضا الله عنهم أو على صواب مسلكهم.
أخرج ابن جرير الطبري (ج٥، ص٩٥٥)مصدر غير محدد٥/٩٥٥ عن ابن عباس ومجاهد قالا: "نزلت في مشركي مكة واليهود؛ أملى الله لهم في المدة والرزق ليزدادوا إثماً بكفرهم وعداوتهم، ثم يأخذهم أخذ عزيز مقتدر".
وأخرج البخاري في صحيحه (كتاب التفسير، رقم: ٤٦٨٦)مصدر غير محددحديث رقم ٤٦٨٦ ومسلم (رقم: ٢٥٨٣)مصدر غير محددحديث رقم ٢٥٨٣ عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إن الله ليملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته، ثم قرأ: ﴿وَكَذَٰلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَىٰ وَهِيَ ظَالِمَةٌ ۚ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ﴾".
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
نملي لهم
الإملاء هو الإمهال وتطويل العمر وتأخير العقوبة وإدامة النعم؛ مأخوذ من المَلَوة وهي المدة الطويلة من الدهر.
ليزدادوا إثماً
اللام للعاقبة والصيرورة أو التعليل القدري؛ أي ليتمادوا في غيهم وطغيانهم فيعظم وزرهم.
عذاب مهين
عذاب يذل نفوسهم ويهين كبرياءهم ويخزيهم في نار جهنم جزاء استكبارهم في الدنيا.
وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا
لا ناهية جازمة، يحسبن مضارع مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد في محل جزم، الذين فاعل كفروا صلة الموصول (على قراءة الياء)، أو مفعول أول على قراءة التاء.
أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِّأَنفُسِهِمْ
أن حرف توكيد ونصب، ما موصولة أو مصدرية اسمها، نملي مضارع مرفوع والفاعل نحن، لهم متعلق بنملي، خير خبر أن مرفوع، لأنفسهم جار ومجرور نعت لخير، والمصدر المؤول سد مسد مفعولي يحسبن.
إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا
استئنافية، إنما كافة ومكفوفة (أو ما موصولة واسم إن)، نملي لهم جملة فعلية، اللام للصيرورة والتعليل، يزدادوا مضارع منصوب بأن مضمرة والواو فاعل، إثماً تمييز منصوب أو مفعول به.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
هذا النص القرآني يقلب المفاهيم المادية للنجاح والرخاء رأساً على عقب؛ فالإنسان المادي السطحي يقيس رضى الله ونفعه بـ "طول العمر وتدفق الأموال والسلامة الظاهرة". فجاء القرآن ليحذر الكفار والمؤمنين معاً: لا تظنوا أن إمهال الله للكافرين وتأخير عقابهم خير لهم! بل هو قمة الاستدراج والمكر الإلهي العادل بهم؛ لئلا يبقى لهم عند الله عذر، وليثقل ميزان سيئاتهم بما ارتكبوه من المظالم والآثام في مدة إمهالهم، فيكون عذابهم أشد وأنكى.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
دفع شبهة نسبة إرادة المعصية لله في قوله ﴿لِيَزْدَادُوا إِثْمًا﴾:
قد يزعم طاعن أن الله تعالى يجبرهم على ارتكاب الإثم بمد أعمارهم!
والتحقيق البرهاني لأهل السنة: أن اللام هنا "لام العاقبة والمآل"؛ كقوله تعالى: ﴿فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا﴾؛ فهم لم يلتقطوه ليكون لهم عدواً، وإنما كانت تلك عاقبة أمرهم. فالله أمهلهم وأعطاهم العمر وفتح لهم أبواب الرزق ابتلاءً، فكانت عاقبة تصرفهم وسوء اختيارهم أن استغلوا تلك النعم في ازدياد الآثام والطغيان، فحقت عليهم كلمة العذاب بالعدل المطلق (تفسير الرازي، ج٩، ص١٠٥؛ جامع البيان للطبري، ج٥، ص٩٥٨).
النهي المؤكد بنون التوكيد الثقيلة ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ﴾: لقطع أي وهم أو توهم بأن النعمة الظاهرة للكافر دليل خيرية.
التخصيص بـ ﴿عَذَابٌ مُّهِينٌ﴾: مناسبة إعجازية لمقابلة ذنبهم؛ فلما تكبروا بثرائهم وبقائهم وطغوا في الأرض بغير الحق، عاقبهم الله بعذاب يتضمن الإهانة والتحقير والإذلال والصفع على وجوههم في الدرك الأسفل.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
الحذر من الركون إلى السلامة مع مقارفة الذنوب؛ فإن توالي النعم مع المعصية استدراج ومكر إلهي مخيف يستوجب الفزع والتوبة.
ألا يغتر المؤمن بعلو الكفار وطول أعمارهم وتمتعهم بثروات الأرض؛ فتلك مهلة قصيرة يعقبها الحساب العسير.