وقد حرر أئمة التفسير المسند (ابن جرير الطبري في «جامع البيان»، وابن كثير في «تفسير القرآن العظيم»، والبغوي في «معالم التنزيل»):
القراءات المتواترة والتوجيه:
أجمع القراء العشرة على فتح حاء وجيم ﴿حَاجَّكَ﴾ مع المد اللازم الكلمي المثقل بمقدار ست حركات، وعلى فتح نون ﴿نَدْعُ﴾ وضم دالها وسكون عينها مجزوماً في جواب الطلب (تعالوا).
﴿ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَل﴾ بسكون اللامين عطفاً على ندع في موضع الجزم (حجة القراءات لابن زنجلة، ص١٦٥)مصدر غير محدد١٦٥.
أسباب النزول وسياق الأثر:
هذه هي "آية المباهلة الكبرى"، وهي الحدث التاريخي الفاصل في مسار الدعوة النبوية بالمدينة؛ حين انقطعت حجج وفد نجران بعد كل ما ساقه النبي صلى الله عليه وسلم من الآيات والبراهين وظلوا معاندين بدافع الكبر وحفظ الرياسة الدنيوية، فأمره ربه أن يدعوهم إلى الملاعنة والمباهلة: بأن يجمع كل طرف خيرة أهله وأبنائه ونسائه ثم يتضرعوا بالدعاء أن ينزل الله لعنته وعذابه العاجل على الكاذب منهم.
روى البخاري في صحيحه (كتاب المغازي، باب قصة أهل نجران، رقم: ٤٣٨٠)مصدر غير محددحديث رقم ٤٣٨٠ ومسلم في صحيحه (كتاب فضائل الصحابة، باب من فضائل علي بن أبي طالب، رقم: ٢٤٠٤)مصدر غير محددحديث رقم ٢٤٠٤ من حديث سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه قال: "ولما نزلت هذه الآية: ﴿فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنفُسَنَا وَأَنفُسَكُمْ﴾ دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم علياً وفاطمة وحسناً وحسيناً، فقال: اللهم هؤلاء أهلي".
وروى البخاري (رقم: ٤٣٨١)مصدر غير محددحديث رقم ٤٣٨١ عن حذيفة رضي الله عنه: "جاء العاقب والسيد صاحبا نجران إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يريدان أن يلاعناه، فقال أحدهما لصاحبه: لا تفعل! فوالله لئن كان نبياً فلاعنّا لا نفلح نحن ولا عقبنا من بعدنا! فقالوا: إنا نعطيك ما سألتنا وابعث معنا رجلاً أميناً، فبعث معهم أبا عبيدة بن الجراح رضي الله عنه".
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
حاجك
من المحاجة وهي المجادلة وإدلاء كل خصم بحجته لإسقاط حجة الآخر.
من بعد ما جاءك من العلم
أي الوحي القطعي واليقين الذي لا يدع مجالاً لشك ولا اشتباه.
تعالوا
اسم فعل أمر للمبالغة في الحث والإقبال والمواجهة.
أبناءنا وأبناءكم
البنون والذرية الصغار، وتقديمهم لأن محبة الأبناء متأصلة في النفوس وأغلى ما يملكه الإنسان، فالإقدام على الملاعنة بهم دليل على اليقين المطلق بالحق.
نساءنا ونساءكم
الزوجات وبنات الأصل المكرمات، وتخصيصهن لعظم مكانتهن وخوف المرء على عرضهن وحمايتهن.
أنفسنا وأنفسكم
الأنفس جمع نفس، والمراد هنا المماثلون والأقارب الأدنون الذين هم بمثابة النفس، أو النبي صلى الله عليه وسلم وعلي بن أبي طالب رضي الله عنهما تنزيلاً للقريب بمنزلة النفس في المحبة والقرابة والمصير.
نبتهل
الابتهال في لغة العرب هو التضرع الشديد والاجتهاد في الدعاء، وأصله من "البَهْل" وهو اللعن أو التخلية، يقال: بهله الله أي لعنه أو خلى بينه وبين هلاكه.
لعنة الله
الطرد والإبعاد الساحق من رحمة الله، ونزول النقمة والهلاك العاجل.
فَمَنْ
الفاء استئنافية تفريعية، من اسم شرط جازم مبني في محل رفع مبتدأ.
حَاجَّكَ فِيهِ
حاجك فعل ماض مبني على الفتح في محل جزم فعل الشرط، والفاعل ضمير مستتر تقديره هو، والكاف مفعول به، وفيه متعلقان بحاجك والضمير يعود على عيسى أو على الحق.
مِن بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ
من بعد متعلقان بحاجك، وما مصدرية أو موصولة، جاءك صلتها، ومن العلم جار ومجرور حال.
فَقُلْ تَعَالَوْا
الفاء رابطة لجواب الشرط، قل فعل أمر وفاعله أنت، وجملة قل في محل جزم جواب الشرط، تعالوا اسم فعل أمر مبني على الضم لاتصاله بواو الجماعة، والواو فاعل.
ثم حرف عطف وتراخٍ، نبتهل مضارع مجزوم بالعطف على ندع، فنجعل الفاء عاطفة، ونجعل مضارع مجزوم، ولعنة مفعول به أول، والله مضاف إليه، وعلى الكاذبين جار ومجرور متعلقان بمحذوف مفعول به ثانٍ لنجعل (أو متعلقان بحال).
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
تدرج محكم في أساليب الهداية وإقامة الحجة:
١. الدعوة بالحكمة والموعظة الحسنة وسرد التاريخ النبوي الحق.
٢. إيراد البراهين العقلية والأمثال المنطقية الملزمة ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَىٰ عِندَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ﴾.
٣. قطع دابر التردد بالتثبيت الإلهي ﴿الْحَقُّ مِن رَّبِّكَ﴾.
٤. فلما بلغت المحاجة منتهاها وركب الخصم مركب العناد والمكابرة، نقلهم القرآن إلى "المحاكمة الوجدانية والروحية الكبرى" بالمباهلة؛ ليضعهم أمام خيار فاصل: إما الإيمان أو استمطار الهلاك الصاعق، وهو أبلغ امتحانات الصدق التي لا يجرؤ عليها كاذب أو متشكك أبداً.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
شبهة: لماذا نكل نصارى نجران عن المباهلة وفضلوا دفع الجزية؟ وما دلالة ذلك العقلية على نبوة محمد صلى الله عليه وسلم؟:
المحاكمة العقلية الصارمة وتحليل الموقف التاريخي:
وفد نجران كان يضم كبار أحبار النصارى وزعمائهم الدينيين (السيد والعاقب)، ولم تكن تنقصهم المعرفة بنصوص كتبهم وبشارات عيسى بالنبي الخاتم.
خروج النبي صلى الله عليه وسلم واثقاً مطمئناً حاملاً أحب أهل الأرض إليه (ابنته فاطمة وسيدا شباب أهل الجنة الحسن والحسين وصهره علي رضي الله عنهم) واضعاً إياهم في مرمى اللعنة لو كان كاذباً، كان برهاناً ساطعاً قاطعاً للشكوك على صدقه المطلق؛ فالكاذب المخادع لا يغامر بأهله وأحبابه ونسله في دعوة يعلم كذبها!
تراجع قادة نجران وقول العاقب لصاحبه: "والله لئن لاعنّا نبياً لا نفلح نحن ولا عقبنا، ولا يبقى على وجه الأرض نصراني يطرف بعينه"، دليل عقلي تاريخي قاطع على أنهم استيقنوا نبوته وصدقه، ولكن منعهم من الانقياد حب الرياسة والدنيا (تفسير ابن كثير، ج٢، ص٥٢؛ زاد المعاد لابن القيم، ج٣، ص٦٣٢).
التعبير بـ ﴿وَأَنفُسَنَا وَأَنفُسَكُمْ﴾ تشبيه بليغ وتنزيل للمحبوب الأقرب منزلة النفس اتحاداً في الهم والغاية والصدق.
استدعاء الأبناء والنساء قبل الرجال؛ لأن هلاك الأولاد والنساء أشد وقعاً على النفس من هلاك المرء نفسه، فكان التحدي بهم دليلاً على أقصى درجات اليقين والتحدي.
إيقاع المباهلة باللفظ الجمعي العام ﴿عَلَى الْكَاذِبِينَ﴾ دون تعيين مسبق، منتهى الإنصاف والموضوعية في المناظرة؛ إذ جعل اللعنة على من ثبت كذبه كائناً من كان.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
الدعوي والتربوي:
مشروعية المباهلة عند تعنت المبطلين وانقطاع الحجج العقلية؛ لإظهار قوة الحق وثقة أهل الإيمان بصدق معتقدهم.
فضل آل بيت النبي صلى الله عليه وسلم ومكانتهم الرفيعة؛ إذ خصهم بالخروج معه في هذا الموقف الإيماني والبرهاني المهيب.
الوجدان الإيماني:
عظمة اليقين الذي يملأ قلوب المؤمنين؛ فالمتمسك بالحق يستشعر معية الله وتأييده، ولا يخشى كيد المعاندين مهما تظاهروا بالقوة والجدل.