أجمع القراء العشرة على فتح تاء وواو ﴿تَوَلَّىٰ﴾ في محل جزم فعل الشرط، وكسر كاف ﴿ذَٰلِكَ﴾، وضم الهاء والميم في ﴿هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ ورفع الفاسقون بالواو لأنه جمع مذكر سالم (التيسير للداني، ص٨٧)مصدر غير محدد٨٧.
أسباب النزول وسياق الأثر:
حكم إلهي فاصل على كل من أعرض عن الإيمان بالنبي محمد صلى الله عليه وسلم بعد قيام هذا الميثاق التاريخي العظيم ووضوح دلائل صدقه؛ فوصفهم الله بالفسق الأكبر المخرج من الدين.
قال علي بن أبي طالب وابن عباس رضي الله عنهما: "﴿فَمَن تَوَلَّىٰ بَعْدَ ذَٰلِكَ﴾ أي: بعد أخذ الميثاق والإقرار والشهادة، ﴿فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ أي: الخارجون عن طاعة الله وميثاق أنبيائهم، المكذبون لكتبهم" (تفسير الطبري، ج٥، ص٥٤٠)مصدر غير محدد٥/٥٤٠.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
تولى
أعرض واستدبر ونكص على عقبيه تاركاً الانقياد للحق.
بعد ذلك
بعد هذا العهد المؤكد والبينات الساطعة والحجج القاطعة.
الفاسقون
الفسق في أصل اللغة هو خروج الرطبة من قشرتها، والمراد به هنا الخروج التام عن طاعة الله والإيمان برسل إلى قعر الكفر والتمرد.
فَمَن
الفاء استئنافية تفريعية، من اسم شرط جازم مبني في محل رفع مبتدأ.
تَوَلَّىٰ بَعْدَ ذَٰلِكَ
تولى فعل ماض مبني على الفتح المقدر في محل جزم فعل الشرط والفاعل مستتر تقديره هو، بعد ظرف زمان متعلق بتولى، وذلك اسم إشارة مضاف إليه.
فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ
الفاء رابطة لجواب الشرط، أولئك اسم إشارة مبتدأ، هم ضمير فصل لا محل له (أو مبتدأ ثانٍ)، الفاسقون خبر مرفوع بالواو لأنه جمع مذكر سالم، والجملة الاسمية في محل جزم جواب الشرط، وجملتا الشرط والجواب خبر المبتدأ (من).
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
ترتب النتيجة على مقدمتها الصارمة: بعد إبرام الميثاق وإعلان الشهادة من الله وأنبيائه ﴿قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُم مِّنَ الشَّاهِدِينَ﴾، صار الإعراض بعد ذلك ليس مجرد جهل عابر، بل هو تمرد متعمد وخروج فاضح عن صراط النبوات؛ فناست تسميتهم بالفساق الحقيقيين وحصر الوصف فيهم بضمير الفصل وأسلوب القصر.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة إطلاق وصف "الفسق" وهل يراد به الكفر المخرج من الملة؟:
المحاكمة العقلية والتحقيق الأصولي:
الفسق في لسان القرآن على نوعين:
١. فسق أصغر: وهو مقارفة الكبائر والذنوب العملية مع بقاء أصل الإيمان، كقوله: ﴿وَإِن تَفْعَلُوا فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ﴾ [البقرة: ٢٨٢].
٢. فسق أكبر: وهو الخروج الكلي عن دائرة الإيمان إلى الكفر والجحود، كقوله في إبليس: ﴿فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ﴾ [الكهف: ٥٠]، وقوله: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ فَسَقُوا فَمَأْوَاهُمُ النَّارُ﴾ [السجدة: ٢٠].
الفسق في هذه الآية هو من الفسق الأكبر الكفري قطعاً؛ لأن التولي عن ميثاق النبيين ومحمد صلى الله عليه وسلم كفر وردة عن دين الله تخرج صاحبها من الملة (مجموع الفتاوى لشيخ الإسلام ابن تيمية، ج٧، ص٥٣٠)مجموع الفتاوىابن تيمية٧/٥٣٠.