أجمع القراء العشرة على جزم ﴿لَا تَأْكُلُوا﴾ بلا الناهية بحذف النون، وتنوين ﴿أَضْعَافًا مُّضَاعَفَةً﴾ بالنصب على الحال من الربا أو مفعولاً مطلقاً مؤكداً ومبيناً للنوع، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو ﴿مُضَعَّفَةً﴾ بتشديد العين المفتوحة بغير ألف، وقرأ الباقون ﴿مُضَاعَفَةً﴾ بألف بعد الضاد مخففة، وهما لغتان فصيحتان في مضاعفة الشيء وتكثيره (معاني القراءات للأزهري، ج١، ص٢٤٥)مصدر غير محدد١/٢٤٥.
أسباب النزول وسياق الأثر:
نداء تشريعي واقتصادي حاسم جاء في ثنايا آيات غزوة أحد؛ لاستئصال داء الربا الجاهلي الذي كان يمارس في ثقيف وقريش واليهود بالمدينة، وتطهير مصادر التمويل الإسلامي من الحرام.
أخرج ابن جرير الطبري (ج٥، ص٧٤٥)مصدر غير محدد٥/٧٤٥ وابن أبي حاتم عن عطاء ومجاهد وقتادة قالوا: "كان ربا الجاهلية أن الرجل يكون له على الرجل الدين إلى أجل، فإذا حل الأجل ولم يقضِ، قال له الدائن: أتقضي أم تُربي؟ فإن لم يقضِه زاده في المال وزاده في الأجل، فيتضاعف المال أضعافاً مضاعفة فيصير القليل كثيراً حتى يستغرق دينه وماله وذريته، فأنزل الله النهي عن ذلك وحرمه تحريماً قاطعاً".
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
الربا
في لسان العرب الزيادة والنماء المطلق، وفي الشرع الزيادة المشروطة على رأس المال في القرض أو البيوع الربوية دون مقابل شرعي.
أضعافاً مضاعفة
الأضعاف جمع ضِعف وهو المثل، والمضاعفة الزيادة المكررة مرة بعد مرة، والوصف هنا لبيان واقع الربا الجاهلي القبيح والتشنيع عليه، وليس قيداً لجواز القليل منه بإجماع الأمة.
واتقوا الله لعلكم تفلحون
تقوى الله بترك الربا واجتناب الحرام طلباً للفلاح والنجاة في الدارين.
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا
نداء للمؤمنين.
لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا
لا ناهية جازمة، تأكلوا مضارع مجزوم بحذف النون والواو فاعل، الربا مفعول به منصوب بفتحة مقدرة.
أَضْعَافًا مُّضَاعَفَةً
أضعافاً حال منصوبة من الربا (أو مفعول مطلق)، مضاعفة نعت منصوب بالفتحة.
وَاتَّقُوا اللَّهَ
معطوف أمر وفاعل ومفعول به.
لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ
لعل واسمها وجملة تفلحون خبرها.
النظم وتناسب الآيات والسياق
السر البلاغي والتربوي لإقحام تحريم الربا في سياق غزوة أحد: قد يتعجب القارئ: ما علاقة تحريم الربا بساحة معركة أحد والقتال؟!
الجواب المحكم لنظام القرآن:
١. الربا هو الركيزة المالية والتمويلية لجيوش الكفار والمشركين؛ فقريش مولت جيش أحد من أموال القافلة التي أفلت بها أبو سفيان وأرباح قروضهم الربوية ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَن سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [الأنفال: ٣٦]؛ فحذر الله المسلمين من التلوث بالمال الربوي الحرام، مبيناً أن النصر لا يُنال بالسحت وأكل أموال الناس بالباطل، بل بالمال الحلال والصدقات.
٢. الطمع المالي كان سبب هزيمة أحد حين نزل الرماة لجمع الغنائم ﴿مِنكُم مَّن يُرِيدُ الدُّنْيَا﴾؛ فناست موعظتهم بالنهي عن أعظم صور الطمع المالي وهو الربا (تفسير الرازي، ج٨، ص١٧٠؛ في ظلال القرآن، ج١، ص٤٦٠).
تعلق بعض الحداثيين بلفظ ﴿أَضْعَافًا مُّضَاعَفَةً﴾ ليزعموا أن المحرم هو الربا الفاحش المركب فقط، أما الفائدة البسيطة فمباحة!
المحاكمة العقلية والتفنيد الصارم بإجماع الأمة وقواعد الأصول:
١. قاعدة أصولية متفق عليها: "الوصف لبيان الواقع الشائع لا مفهوم مخالفة له"؛ فالربا في الجاهلية كان يقع أضعافاً مضاعفة، فنزل النص واصفاً حالهم الشنيعة للتشنيع عليهم وتنفيرهم منها، وليس لتشريع إباحة القليل؛ كما قال تعالى: ﴿وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا﴾ [النور: ٣٣]؛ فهل يعني ذلك جواز إكراههن إن لم يُردن التحصن؟! لا يقول بهذا عاقل.
٢. نصوص القرآن القطعية المحكمة في سورة البقرة نسخت وحرمت كل ربا قل أو كثر: ﴿وَإِن تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢٧٩]، فجعل رأس المال هو الحد الوحيد، وما زاد عليه فهو ظلم محرم إجماعاً (تفسير ابن كثير، ج٢، ص١١٢؛ أحكام القرآن للجصاص، ج٢، ص٣٥٥).