أخرج ابن أبي حاتم (الرقم: 2908)مصدر غير محددحديث رقم ٢٩٠٨ وابن جرير في «جامع البيان» (6/168)جامع البيانالطبري٦/١٦٨ عن الربيع بن أنس وقتادة في الآية قالا: «يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور، لا يغيب عنه ذرة في ظلمات الأرض ولا في أعنان السماء، وهو عالم بما يضمره وفد نجران وما يكتمونه من الحق بعد وضوحه».
ضبط القراءات والروايات المتواترة:
قرأ القراء العشرة باتفاق بتأنيث الفعل: ﴿لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ﴾، وتسكين ألف يخفى ومد المنفصل في ﴿شَيْءٌ﴾ لورش بالتوسط والطول، وتنوين شيء بالرفع فاعلاً.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
لَا يَخْفَى: الخفاء ضد الظهور والانكشاف، ونفيه عن الله نفي قاطع لأدنى غيبوبة أو ذهول، فعلمه محيط بالجزئيات والكليات على حد سواء.
شَيْءٌ: نكرة في سياق النفي تفيد العموم الاستغراقي المطلق؛ فلا تخرج ذرة، ولا حركة نفس، ولا قطرة ماء في ظلمات الكون عن علمه التام.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
إقامة البرهان العلمي على وحدانيته وبطلان ألوهية غيره:
ترتبط الآية بما قبلها وما بعدها برباط محكم:
فالذي ينزل الكتب ويعاقب الكافرين هو العليم المحيط بكل ذرة في الكون.
وفي الوقت نفسه هي حجة باهرة على وفد نجران: فالمسيح عيسى عليه السلام كان لا يعلم الغيب، ولا يدري ما تخفي الأرحام، ولا يعلم وقت الساعة بنص الإنجيل الصريح؛ فكيف تجعلونه إلهاً والآية تقرر أن الإله الحق هو الذي لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء؟!
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة الفلاسفة في نفي علم الله بالجزئيات:
زعم بعض الفلاسفة القدامى (كابن سينا والفارابي متأثرين بأرسطو) أن الله يعلم الكليات دون الجزئيات صيانة لذاته بزعمهم.
البرهان القرآني والعقلي: نصت الآية نصاً صريحاً قاطعاً على نفي خفاء أي «شيء» كائناً ما كان دقيقاً أو جليلاً في الأرض ولا في السماء؛ والعقل الصريح يوجب أن خالق الشيء وموجده لا يعقل أن يجهل مخلوقه: ﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾.
قدمت الأرض لكونها مسرح أعمال المكلفين ومستقر أجسادهم ومحل مخاوفهم ومؤامراتهم؛ تنبيهاً لهم بأن حركاتهم وخفقات قلوبهم مكشوفة أمام بصر الله وعلمه في كل لحظة.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
استحضار المراقبة الذاتية في الخلوات:
استقرار هذه الآية في وجدان المؤمن يورثه الحياء التام من الله، فيستوي سره وعلانيته، ويعلم أن عين الله ترعاه وتراه في كل حركة وسكنة.