قرأ حمزة الكوفي وحده: ﴿وَالْأَرْحَامِ﴾ بخفض الميم عطفاً على الضمير المجرور بالباء في ﴿تَسَاءَلُونَ بِهِ﴾؛ أي: به وبالأرحام؛ كما كان أهل الجاهلية يقولون في استعطافهم: "أسألك بالله وبالرحم". وتوجيه خفضه عند النحاة على العطف على الضمير المخفوض من غير إعادة الجار على لغة فصيحة في لسان العرب، أو على القسم وحذف واو القسم؛ أي: وأقسم بالأرحام، أو على المجاورة (النشر في القراءات العشر لابن الجزري، ج٢، ص٢٥٨؛ معاني القرآن للفراء، ج١، ص٢٥١).
وقرأ الباقون (نافع، وابن كثير، وأبو عمرو، وابن عامر، وعاصم، والكسائي، وأبو جعفر، ويعقوب، وخلف العاشر): ﴿وَالْأَرْحَامَ﴾ بنصب الميم عطفاً على اسم الجلالة في ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾؛ أي: واتقوا الله، واتقوا الأرحام أن تقطعوها أو تظلموها، أو على أنه منصوب بفعل محذوف تقديره: وصِلوا الأرحام.
قرأ الكوفيون (عاصم، وحمزة، والكسائي، وخلف): ﴿تَسَاءَلُونَ﴾ بتخفيف السين على حذف إحدى التاءين تخفيفاً؛ وأصله: (تتَساءلون). وقرأ الباقون: ﴿تَسَّاءَلُونَ﴾ بتشديد السين بإدغام التاء الثانية في السين لقرب مخرجهما مبالغة في كثرة التساؤل (التيسير للداني، ص٩٤)مصدر غير محدد٩٤.
أسباب النزول وسياق الأثر:
استهلال دستوري كلي يخاطب البشرية جمعاء؛ نزلت لتأسيس حرمة النفس الإنسانية والرحم، وحظر عادات الجاهلية في احتقار المرأة وسلب حقوق الضعفاء وقطيعة الأرحام.
أخرج الإمام أحمد في المسند (رقم: ٣٧٢٠)مصدر غير محددحديث رقم ٣٧٢٠ وأصحاب السنن (أبو داود، رقم: ٢١١٨؛ الترمذي، رقم: ١١٠٥؛ النسائي، ج٦، ص٨٩؛ وابن ماجه، رقم: ١٨٩٢) وصححه الحاكم والنووي والألباني عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه في "خطبة الحاجة" التي كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعلمها أصحابه في مستهل الخطب والزواج، وكان يقرأ فيها ثلاث آيات أولها: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ...﴾.
وأخرج ابن جرير الطبري (ج٦، ص٣٤٠)مصدر غير محدد٦/٣٤٠ وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ﴾ قال: "اتقوا الله الذي تعاقدون به وتعاهدون، واتقوا الأرحام ألا تقطعوها، ولكن بروها وصِلوها".
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
النفس الواحدة
آدم عليه السلام أبو البشر جميعاً.
وخلق منها زوجها
حواء عليها السلام؛ خُلقت من ضلع آدم الأيسر كما ثبت في الصحيحين؛ فالمرأة مخلوقة من الرجل وبضعته.
بثّ
نشر وفرّق وكثّر في أرجاء الأرض جيلاً بعد جيل؛ مأخوذ من البث وهو التفريق.
الأرحام
جمع رَحِم؛ وهي قرابة النسب من جهة الأب والأم؛ وسميت رحماً لأنها مشتقة من اسم الرحمن كما في الحديث القدسي: "أنا الرحمن وهذه الرحم شققت لها اسماً من اسمي".
رقيباً
الرقيب هو الحافظ العليم المطلع الذي لا يغيب عنه شيء من أفعال العباد وضمائرهم؛ فعيل بمعنى فاعل.
يَا أَيُّهَا النَّاسُ
يا حرف نداء، أي منادى نكرة مقصودة مبني على الضم في محل نصب والهاء للتنبيه، الناس بدل مرفوع أو عطف بيان.
اتَّقُوا رَبَّكُمُ
اتقوا فعل أمر مبني على حذف النون والواو فاعل، ربكم مفعول به منصوب والكاف مضاف إليه والميم للجمع.
الَّذِي خَلَقَكُم
اسم موصول في محل نصب نعت لـ (ربكم)، خلقكم ماض وفاعله مستتر والكاف مفعول، والجملة صلة الموصول.
مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ
جار ومجرور متعلقان بخلقكم، واحدة نعت لنفس.
وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا
معطوف على ما قبله، زوجها مفعول به والهاء مضاف إليه.
وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً
بث ماض، منهما متعلق ببث، رجالاً مفعول به، كثيراً نعت، ونساء معطوف عليه.
وَاتَّقُوا اللَّهَ
معطوف على اتقوا الأولى.
الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ
الذي نعت للفظ الجلالة، تساءلون مضارع مرفوع بثبوت النون والواو فاعل، به متعلق بتساءلون، والجملة صلة الموصول.
وَالْأَرْحَامَ
معطوف على لفظ الجلالة منصوب (أو مخفوض عطفاً على الهاء في به على قراءة حمزة).
إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا
إن واسمها، كان ناقص واسمها مستتر، عليكم متعلق برقيباً، رقيباً خبر كان منصوب، وجملة كان خبر إن.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
براعة استهلال إعجازية مذهلة تفتتح سورة الأحكام الاجتماعية والتشريعية بنداء الإنسانية المشتركة: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ﴾؛ لتذكير كل إنسان بأن أصله وأصل سائر بني جنسه واحد، انبثقوا جميعاً من أب واحد وأم واحدة، فلا مجال لاستعلاء جنس على جنس، ولا لاستقواء الرجل على المرأة، ولا لظلم اليتيم والضعيف. ثم قَرن تقوى الله بتقوى الأرحام؛ ليدل على أن صيانة حقوق الأسرة والقرابة فريضة ربانية ملتصقة بأصل التوحيد، وختم بالرقابة الإلهية الدائمة: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ ليكون الوازع الباطني هو الحارس الأكبر لتنفيذ هذه الأحكام في خلوات البيوت.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
دفع شبهة توهم الدونية في خلق المرأة من ضلع الرجل:
يتوهم بعض الحداثيين أن إخبار القرآن والحديث بأن حواء خُلقت من آدم يقتضي دونية المرأة وتبعيتها المهينة! والتحقيق العقلي والشرعي يبطل هذا التوهم: بل الإخبار بأنها خُلقت منه هو أعظم برهان على كمال القرب والمودة والمساواة الجوهرية في الفطرة الإنسانية؛ إذ لو كانت المرأة مخلوقة من أصل مغاير لآدم لنفر الطبع منها ولم يسكن إليها، فجعلها الله من صميمه ليعطف عليها عطفه على نفسه، كما قال تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾. فالمرأة ليست كائناً غريباً ولا شراً لابد منه كما عند فلاسفة الإغريق وأهل التحريف، بل هي شقيقة الرجل وبضعته (تفسير الرازي، ج٩، ص١٧٥؛ مجموع فتاوى ابن تيمية، ج١٤، ص٢٨٥).
التنكير في ﴿نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾: للتعظيم والتوحيد؛ لتقرير وحدة المنبت الإنساني.
التفريد في وصف الرجال بالكثرة ﴿رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً﴾: جاء وصف الرجال بكثيراً دون النساء؛ لأن كثرة الرجال تقتضي بداهةً كثرة النساء المقابلات لهم، ولأن المرأة مطلوب سترها حتى في اللفظ، أو لأن الكثرة في البث تظهر في حركة الرجال وتصرفاتهم في الأرض طلباً للمعاش.
التذييل بـ ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾: ترسيخ لمبدأ المراقبة الذاتية؛ لأن العلاقات الأسرية ومظالم النساء واليتامى تقع غالباً خلف الجدران المغلقة بعيداً عن أعين القضاة، فلا يحميها إلا خوف الرقيب العليم.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
صلة الأرحام وبر القرابات وتحريم قطيعتها؛ فصلة الرحم معلقة بالعرش تقول: من وصلني وصله الله ومن قطعني قطعه الله.
ترسيخ مبدأ "المساواة الإنسانية الكريمة" ونبذ كل أشكال التمييز العنصري والعرقي.