١. التحرير الدلالي والاصطلاحي
- المُحْكَم: في لسان العرب مأخوذ من الإحكام، وهو المنع والإتقان والفصل، ومنه «حَكَمةُ اللجام» التي تمنع الدابة من الاضطراب. وفي اصطلاح علماء الأصول والتفسير: هو اللفظ الذي اتضح معناه، واستقل بنفسه، ولا يحتمل إلا وجهاً واحداً من التأويل، أو هو النص الذي يعرف المراد منه إما بالظهور وإما بالبيان الجلي، كأصول العقائد، وأمهات الأخلاق، وفرائض الشرائع البينة.
- المُتَشَابِهُ: مأخوذ من الشَّبَهِ، وهو التماثل والالتباس، ومنه تشابهت الأشياء إذا التبست حتى يمتنع التمييز بينها. وفي الاصطلاح: هو ما احتمل أكثر من معنى، أو ما استأثر الله بعلم حقيقته وكيفيته كحقائق الغيب ووقت قيام الساعة، أو ما لا ينال معناه إلا برده إلى المحكم.
٢. مسألة الوقف على ﴿إِلَّا اللَّهُ﴾ في قوله تعالى: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ﴾
- القول الأول (الوقف التام على اسم الجلالة):
- مذهب جمهور الصحابة والتابعين (ابن عمر، وابن مسعود، وأبي بن كعب، وعائشة، والحسن، ومالك، وأحمد):
- الحجة: أن التأويل هنا هو «الحقيقة والكنه والكيفية والمآل الواقعي»؛ ككيفية صفات الله، وحقيقة ما في اليوم الآخر، ووقت البعث. وهذا لا يعلمه إلا الله، وابتداء الجملة بعدها: ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا﴾ في محل الرفع على الابتداء، وخبره «يقولون»، ومدحهم الله بالإيمان والتسليم بما غاب عنهم كنهه.
- القول الثاني (الوصل، وعطف الراسخين على اسم الجلالة):
- مذهب ابن عباس في إحدى الروايات («أنا من الراسخين في العلم الذين يعلمون تأويله»)، والربيع بن أنس، ومحمد بن إسحاق، واختاره جماعة من المتأخرين كابن جرير الطبري والنووي:
- الحجة: أن التأويل هنا بمعنى «التفسير والبيان وفهم المعنى»، والقرآن إنما نزل بلسان عربي مبين ليتدبره الناس، والعلماء الراسخون يعلمون معاني القرآن وتفسيره وإن غابت عنهم حقائق الكيفيات، ويكون قوله ﴿يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ﴾ في موضع نصب على الحال من الراسخين.
- الجمع والتحقيق الجامع بين القولين:
- بيّن شيخ الإسلام ابن تيمية في «الإكليل في المتشابه والتأويل» وتلميذه ابن القيم أن الخلاف لفظي يرجع إلى الاصطلاح في معنى «التأويل»:
- إن أريد بالتأويل «حقيقة الشيء وما يؤول إليه أمره وكنهه» فالوقف على اسم الجلالة حتمي، ولا يعلم حقيقة الغيب وكيفية صفات الله إلا الله وحده.
- وإن أريد بالتأويل «التفسير والكشف عن المعنى اللغوي والشرعي ورد اللبس إلى البيان»، فالوصل صحيح، والراسخون يعلمون تفسير المتشابه برده إلى المحكم ولا يلتبس عليهم.
٣. دحض مسالك أهل الزيغ ومناهجهم المنحرفة
- قررت الآية الكريمة سنّة نفسية خطيرة في أصحاب البدع والأهواء: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ﴾:
- منهج الزيغ: يبدأ من القلوب المريضة التي تعتقد الهوى والبدعة أولاً، ثم تقصد إلى النصوص المتشابهة لتنتزع منها حججاً موهومة تثبت بها بدعتها، تاركة المحكم البين الذي يهدم أصل باطلهم.
- منهج الرسوخ السني: ينطلق من تجريد القصد لاتباع الحق، وتقديم النصوص المحكمة الصريحة كأصول حاكمة، ثم حمل المتشابه والمجمل عليها وتفسيره في ضوئها، فيبقى الدين منيعاً صرحاً متكاملاً لا يداخله التناقض.