تفسير الطبري (جامع البيان، ج 19، ص 625)جامع البيانالطبري١٩/٦٢٥: بيّن أن للمفسرين في قوله {مِنَ الْمُسَبِّحِينَ} توجيهين مسندين:
عن ابن عباس والحسن وقتادة: أي لولا أنه كان في رخائه وسالف أيامه قبل بطن الحوت من المصلين المسبحين الذاكرين لله، فقدم عملاً صالحاً نجاه الله به في شدته.
عن ابن مسعود وسعيد بن جبير: لولا تسبيحه في بطن الحوت وهو قوله: {لَّا إِلَٰهَ إِلَّا أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ}. ورجح الطبري أن التسبيح يشمل الأمرين: صلاحه السابق وتسبيحه اللاحق في الشدة.
تفسير ابن كثير (تفسير القرآن العظيم، ج 7، ص 41)تفسير القرآن العظيمابن كثير٧/٤١: أورد حديث أبي هريرة والضحاك بن قيس رضي الله عنهما مرفوعاً وموقوفاً: "تَعَرَّفْ إِلَى اللَّهِ فِي الرَّخَاءِ يَعْرِفْكَ فِي الشِّدَّةِ"، فكانت طاعته السابقة في الرخاء سبباً لنجاته في ظلمات بطن الحوت.
تفسير السعدي (تيسير الكريم الرحمن، ص 706)تيسير الكريم الرحمنعبد الرحمن السعدي٧٠٦: ذكر أن التسبيح يتضمن تنزيه الله، والصلاة، والاعتراف بالذنب، وهو أعظم أسباب تفريج الكروب.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
البناء اللغوي والمعجمي:
{فَلَوْلَا}: حرف امتناع لوجود؛ دل على امتناع اللبث في بطن الحوت لوجود التسبيح والتضرع.
{الْمُسَبِّحِينَ}: المسبح: المنزه لله عن كل نقص وسوء، والمصلي والذاكر لله بكرة وعشياً.
الإعراب التفصيلي:
{فَلَوْلَا}: الفاء استئنافية، لولا حرف شرط غير جازم يفيد الامتناع للوجود.
{أَنَّهُ}: أن واسمها في تأويل مصدر مبتدأ محذوف الخبر وجوباً تقديره موجود (أي فلولا كونه من المسبحين كائن ومتحقق).
{كَانَ}: فعل ماض ناقص، واسمها ضمير مستتر تقديره هو.
{مِنَ الْمُسَبِّحِينَ}: جار ومجرور بالياء متعلقان بمحذوف خبر كان، والجملة في محل رفع خبر أنّ.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
وجه المناسبة: بيان مفتاح الفرج والسر الإلهي في تحويل بطن الحوت من قبر ميت إلى مهد للنجاة والولادة الجديدة؛ وهو فضل التسبيح وسابق العمل الصالح.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
دفع شبهة توهم عدم نفع العمل الصالح السابق عند وقوع الشدة:
المحاكمة النبوية والشرعية: الآية نص قاطع يؤيده الحديث الشريف: "تعرف إلى الله في الرخاء يعرفك في الشدة"؛ فالرصيد الإيماني المدخر في أيام العافية بالصلاة والتسبيح والصدقة هو أعظم ذخر يُستدعى به لطف الله عند نزول البلايا والمحن التي تتقطع فيها الأسباب الأرضية.
صيغة الجمع {مِنَ الْمُسَبِّحِينَ}: للدلالة على أنه لم يكن مسبحاً عارضاً بل كان فرداً راسخاً في موكب أهل التسبيح الدائم والصلاة الثابتة.
استعمال {لَوْلَا} الامتناعية: إشعار بعظم الخطر الذي كان محيطاً به لولا تدارك رحمة الله له بسبب تسبيحه.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
المنهج التربوي: الإكثار من الطاعات والذكر في أوقات الرخاء والعافية؛ لتكون ذخراً عند نزول الشدائد والملمات.
الوجدان الإيماني: ملازمة التسبيح: "سبحان الله وبحمده"، والإكثار من دعوة ذي النون: {لَّا إِلَٰهَ إِلَّا أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ}؛ فإنها دعوة ما دعا بها مكروب إلا فرج الله عنه.