وصول الفريقين (القادة والأتباع) إلى النتيجة المأساوية الحتمية والاعتراف الجماعي بوقوع كلمة العذاب؛ حيث يقر الجميع بأن كلمة العذاب وقضاء الله العادل قد وجب وثبت وتحقق علينا جميعاً سادة وعبيداً، وقادة وأتباعاً، وإنا لمباشرون وذائقون هذا العذاب الأليم معاً بلا فكاك.
قال الطبري في «جامع البيان» (21/ 42)جامع البيانالطبري٢١/٤٢: «يقول تعالى ذكره: فوجب وثبت علينا وعليكم جميعاً قول ربنا بالوعيد والعذاب الذي توعد به من عصاه؛ وهو قوله: {لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنكَ وَمِمَّن تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ}، إنا لذائقو العذاب؛ يعني: إنا جميعاً لذائقو عذاب الله في النار معاً، لا ينفك منا أحد عنه».
وقال قتادة والسدي: «حق القول: أي وجبت كلمة العذاب على الجميع، وإنا جميعاً لذائقو العذاب المشترك».
وقال ابن كثير: «أي وجب علينا جميعاً سخط الله وعذابه، وإنا لذائقون نكال جهنم لا محالة».
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{فَحَقَّ}: الفاء عاطفة تفيد السببية والترتب، «حقّ» فعل ماض مبني على الفتح. ومعنى حق: وجب وثبت وتحقق ثبوتاً لا مرد له.
{قَوْلُ}: فاعل مرفوع بالضمة الظاهرة وهو مضاف، والمقصود بالقول: كلمة العذاب والوعيد الإلهي.
{رَبِّنَا}: مضاف إليه مجرور بالكسرة، و«نا» مضاف إليه.
{إِنَّا}: «إنّ» حرف توكيد ونصب، و«نا» اسمها في محل نصب.
{لَذَائِقُونَ}: اللام المزحلقة للتأكيد، «ذائقون» خبر «إنّ» مرفوع بالواو لأنه جمع مذكر سالم، وحذفت النون للإضافة في بعض التقديرات أو هو منون (ذائقون العذابَ)، والمفعول محذوف تقديره: لذائقون العذاب، وجملة «إنا لذائقون» تعليلية أو بدل اشتمال من حق علينا.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
هذه الخاتمة للحوار الحجاجي تمثل نقطة النهاية وسقوط كل الآمال؛ فلما تبادلوا الاتهامات وعجز كل طرف عن تبرئة نفسه، اعترفوا بحتمية المصير المشترك؛ فلا فائدة من التلاوم بعد أن حقت كلمة العذاب وصار الجميع في قعر النار.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة توهم الظلم في عموم العذاب للقادة والأتباع بالسواء: كيف يشترك التابع مع المتبوع في نفس المصير؟
رد الشبهة بالمحاكمة العقدية للمسؤولية الجزائية: العذاب يجمعهما في الأصل والخلود في النار {إِنَّا لَذَائِقُونَ} لاشتراكهما في الكفر بالله ومحاربة رسله، ولكل درجات ودركات بحسب جرمه وسعيه؛ فللقادة عذاب مضاعف لإضلالهم غيرهم، وللأتباع عذاب كفرهم وتقليدهم، فالعقوبة متناسبة مع الجرم دون أدنى ظلم: {لِكُلٍّ ضِعْفٌ وَلَٰكِن لَّا تَعْلَمُونَ}.