وصول العناد المشرك إلى ذروة التحدي والوقاحة؛ فإذا شاهدوا معجزة باهرة وخارقة ظاهرة تدل على صدق النبي صلى الله عليه وسلم كمعجزة انشقاق القمر، لم يكتفوا بمجرد السخرية الفردية، بل بالغوا في الاستهزاء ودعوا بعضهم بعضاً للسخرية منها والتواصي بتكذيبها، ورميها بالسحر.
قال الطبري في «جامع البيان» (21/ 22)جامع البيانالطبري٢١/٢٢: «يقول تعالى ذكره: وإذا رأى هؤلاء المشركون دلالة وحجة ومعجزة تدل على صدقك يا محمد وحقيقة ما تدعوهم إليه - كانشقاق القمر ونحوه من الآيات - يستسخرون؛ أي يسخرون ويستهزئون بها، ويدعو بعضهم بعضاً إلى السخرية منها والاستهزاء بها، والاستسخار في كلام العرب: استفعل من السخرية، يراد به المبالغة في الهزء، أو دعاء الناس إليه».
وقال مجاهد وقتادة: «يستسخرون: يستهزئون ويسخرون من تلك الآية، ويقولون هذا سحر».
وقال ابن كثير: «أي يبالغون في السخرية والاستهزاء إذا رأوا معجزة تدل على نبوة محمد صلى الله عليه وسلم».
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{رَأَوْا}: فعل ماض مبني على الضم المقدر على الألف المحذوفة، والواو فاعل. والرؤية هنا بصرية عيانية.
{آيَةً}: مفعول به منصوب بالفتحة الظاهرة، والتنكير للتعظيم والعموم؛ أي أيّ معجزة وبرهان عظيم.
{يَسْتَسْخِرُونَ}: فعل مضارع مرفوع بثبوت النون والواو فاعل، والجملة لا محل لها من الإعراب جواب الشرط لـ «إذا». وصيغة الاستفعال هنا إما للطلب؛ أي يطلب كل واحد منهم من صاحبه أن يسخر منها، أو للمبالغة التامة في السخرية والضحك الماجن.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
هذا التدرج يرتقي بالشناعة؛ ففي الآية 12 قال: {وَيَسْخَرُونَ}، وفي الآية 13: {لَا يَذْكُرُونَ}، وهنا ارتقى إلى {يَسْتَسْخِرُونَ}؛ ليدل على أن رؤية المعجزات لم تزدهم إلا طغياناً وشراسة في التحريض على الاستهزاء، وهو شأن المعاند إذا أعجزته البراهين.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة زعم المشركين أنهم يطلبون معجزات مخصوصة للإيمان: كان الكفار يقولون: لو أريتنا آية لآمنا!
رد الشبهة بالمحاكمة السلوكية والنفسية للآية الواقعة: كشفت الآية كذبهم المفضوح؛ فعندما رأوا الآيات البينات العظام عياناً (كانشقاق القمر) لم يؤمنوا، بل استسخروا وقالوا سحر مستمر، فالمشكلة لم تكن في غياب المعجزة، بل في استحكام الهوى والعناد الذي يحيل أنصع الآيات إلى مادة للتندر والاستسخار.