النطق بالفرية الجاهزة والتهمة المعلبة التي يلجأ إليها المكذبون دائماً عندما تبهرهم المعجزة ويعجزون عن معارضتها؛ حيث يصرحون بوقاحة: ما هذا الذي نراه من الآيات وخوارق العادات، وما هذا الذي يتلوه محمد صلى الله عليه وسلم من القرآن المبين، إلا سحر ظاهر بين يخدع الأعين ويسحر العقول.
قال الطبري في «جامع البيان» (21/ 23)جامع البيانالطبري٢١/٢٣: «يقول تعالى ذكره: وقال هؤلاء المشركون لما رأوا الآية المعجزة: ما هذا الذي نراه ونسمعه إلا سحر مبين؛ يعني: سحر واضح قد أبان لمن شاهده أنه سحر وخداع لا حقيقة له، كذبوا على الله وعلى رسوله فراراً من الإقرار بالحق».
وقال قتادة: «قالوا للآيات وللقرآن: هذا سحر مبين؛ أي ظاهر البطلان بزعمهم».
وقال ابن كثير: «أي قالوا لما عاينوا من المعجزات الباهرة التي لا قدرة للبشر عليها: ما هذا إلا سحر ظاهر واضح، فجعلوا الحق سحراً والهدى ضلالاً».
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{وَقَالُوا}: الواو عاطفة، «قالوا» فعل ماض مبني على الضم، والواو فاعل.
{إِنْ}: حرف نفي بمعنى «ما».
{هَٰذَا}: الهاء للتنبيه، و«ذا» اسم إشارة مبني على السكون في محل رفع مبتدأ، والمشار إليه: ما عاينوه من الآيات أو القرآن.
{إِلَّا}: أداة استثناء وحصر ملغاة.
{سِحْرٌ}: خبر المبتدأ مرفوع بالضمة الظاهرة.
{مُّبِينٌ}: نعت لسحر مرفوع بالضمة الظاهرة؛ أي ظاهر جلي في كونه سحراً بزعمهم الباطل. وجملة القصر مقول القول في محل نصب.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
هذه المقولة تفسر وتبين كيف تجلى استسخارهم في الآية السابقة {يَسْتَسْخِرُونَ}؛ فلما أرادوا تسويغ سخريتهم ورفضهم للمعجزة الباهرة أمام العامة، لجؤوا إلى هذه التهمة الزائفة {إِنْ هَٰذَا إِلَّا سِحْرٌ مُّبِينٌ} لتثبيت أتباعهم على الكفر.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة وصف المعجزات النبوية والقرآن بالسحر: كيف يجرؤ المشرك على رمي المعجزة بالسحر مع علمه بفارق ما بينهما؟
رد الشبهة بالمحاكمة العقلية والواقعية للبون الشاسع بين السحر والمعجزة: السحر في حقيقته تمويه وتخييل يعتمد على الاستعانة بالشياطين، ويزول أثره سريعاً، وله شروط وطلاسم يعرفها أهله، ولا يغير الحقائق، ويصدر عن أراذل الناس أخلاقاً وسلوكاً؛ أما معجزات الأنبياء كفلق البحر، وإبراء الأكمه، وانشقاق القمر، والقرآن المعجز، فهي حقائق مادية ولغوية باهرة دائمة تتحدى البشرية جمعاء، وتدعو إلى مكارم الأخلاق والتوحيد والعدل، وتصدر عن أصدق الناس وأطهرهم، فإطلاق السحر عليها هو قمة التخبط والمكابرة المفضوحة.