بيان البيئة والمقر والمحيط المكاني البديع الذي يحوي ذلك الرزق والإكرام؛ فهم مستقرون في بساتين ورياض وجنات النعيم المقيم؛ حيث تجري من تحتهم الأنهار، وتتدلى عليهم الظلال، وتتنزل عليهم الرحمات، قد كمل نعيم أبدانهم ونعيم أرواحهم.
قال الطبري في «جامع البيان» (21/ 53)جامع البيانالطبري٢١/٥٣: «يقول تعالى ذكره: هؤلاء المخلصون مكرمون في بساتين وحدائق ذات نعيم وسرور وخير دائم لا ينقطع ولا يبيد، قد أعد الله لهم فيها ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين».
وقال قتادة: «جنات النعيم: دار كرامة الله التي لا همّ فيها ولا حزن ولا نصب».
وقال ابن كثير: «أي في بساتين النعيم الدائم المقيم، الذي لا يحول ولا يزول».
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{فِي جَنَّاتِ}: جار ومجرور متعلق بمحذوف حال من الضمير في «مكرمون» أو متعلق بمكرمون، وجنات جمع جنة وهي البستان الملتف الشجر والظلال.
{النَّعِيمِ}: مضاف إليه مجرور بالكسرة الظاهرة. والنعيم: مصدر النعمة؛ وهو طيب العيش ورغده وسروره وكماله.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
هذا التدرج يرسم لوحة النعيم بأبهى تسلسل؛ بدأ بأصحاب النعيم {عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ}، ثم رزقهم وتكريمهم {فَوَاكِهُ ۖ وَهُم مُّكْرَمُونَ}، ثم بيئتهم العامة ومقرهم الأبدي {فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ}، ليحيط المشهد بكل أسباب السعادة والاستقرار.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة خوف زوال النعيم أو حدوث كدر ينغص الجنات: يخشى الإنسان بطبعه من نهاية النعيم أو طروء مصيبة.
رد الشبهة بالمحاكمة العقدية لإضافة الجنات إلى النعيم: إضافة الجنات إلى «النعيم» تفيد استغراق النعيم لكل ركن وجزء فيها؛ فهو نعيم خالص منزه عن شوائب الدنيا وكدوراتها، لا هرم فيه ولا موت ولا مرض ولا خوف، مصداقاً لقوله: {لَا يَمَسُّهُمْ فِيهَا نَصَبٌ وَمَا هُم مِّنْهَا بِمُخْرَجِينَ}.