افتتاح تفصيل نعيم أهل الجنة وكرامتهم الخاصة؛ فهؤلاء العباد المخلصون المصطفون لهم في جنات الخلد رزق معلوم موصوف بالكمال، معلوم في حسنه وطيبه ودوامه، لا ينقطع ولا يتغير، ومعلوم في أوقاته وهيئاته الشريفة التي تتجدد بها لذائذهم بكرة وعشياً.
قال الطبري في «جامع البيان» (21/ 51)جامع البيانالطبري٢١/٥١: «يقول تعالى ذكره: هؤلاء المخلصون لله في الدنيا لهم في الجنة رزق معلوم؛ اختلف أهل التأويل في معنى الرزق المعلوم: فقال قتادة والسدي: معلوم وقته، يأتيهم بكرة وعشياً كما قال: {وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيًّا}، وقال ابن عباس ومجاهد: معلوم في حسنه وفضله وطيب ألوانه، ليس كأرزاق الدنيا التي تشوبها الأكدار والهموم».
وقال ابن كثير: «أي معين مقدر موصوف بالحسن والكمال والدوام، لا مقطوعة ولا ممنوعة».
وقال السعدي: «رزق معلوم في وقته، معلوم في مقداره، ومعلوم في حسنه وطيبه، ليس فيه تنغيص ولا كدر».
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{أُولَٰئِكَ}: اسم إشارة مبني على الكسر في محل رفع مبتدأ، واللام للبعد، والكاف للخطاب.
{لَهُمْ}: جار ومجرور متعلق بمحذوف خبر مقدم.
{رِزْقٌ}: مبتدأ مؤخر مرفوع بالضمة الظاهرة، وجملة {لَهُمْ رِزْقٌ} في محل رفع خبر اسم الإشارة «أولئك».
{مَّعْلُومٌ}: نعت لرزق مرفوع بالضمة الظاهرة. والمعلوم: ما حُددت أوصافه وأوقاته ومزاياه بما يدخل البهجة والطمأنينة على النفس.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
هذا التقرير هو أول تفصيل لكرامة {عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ}؛ فبدأ بأهم ما يقلق الإنسان في الدنيا وهو «الرزق»، فطمأنهم بأن رزقهم في دار النعيم مضمون معلوم مقدر بأرفع درجات الجودة والخلود، فلا خوف من نفاد ولا قلق من فقر.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة توهم الجوع أو الحاجة البدنية في الجنة لتناول الرزق: هل يأكل أهل الجنة لحفظ حياتهم من الموت جوعاً كما في الدنيا؟
رد الشبهة بالمحاكمة العقدية لصفاء نعيم الجنة: الأكل والرزق في الجنة ليس رزق حاجة ولا ضرورة لدفع ألم الجوع كما في الدنيا، بل هو رزق تلذذ وتفكه وإكرام واستجابة للشهوة الطيبة، مع خلوه من فضلات الدنيا وأذاها كالغائط والبول؛ فرزقهم معلوم الطهارة والنقاء لا يعقبه أذى ولا مرض.