استثناء منيع يصور المطاردة النارية الصاعقة لمن يجرؤ على المغامرة من الشياطين؛ فإذا استطاع مارد خبيث منهم بسرعته وخفته أن يختلس كلمة واحدة اختلاساً مباغتاً من حديث الملائكة قبل أن يُرجم، انقض عليه فوراً شهاب ناري متوقد ملتهب يثقب الظلام ويخترق جسده فيحرقه أو يخبله في الحال.
ثبت في «صحيح البخاري» (حديث 4701) عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إذا قضى الله الأمر في السماء ضربت الملائكة بأجنحتها خضعاناً لقوله كأنه سلسلة على صفوان... فيسمعها مسترق السمع، ومسترق السمع هكذا بعضه فوق بعض - ووصف سفيان بكفه فحرفها وبدد بين أصابعه - فيسمع الكلمة فيلقيها إلى من تحته، ثم يلقيها الآخر إلى من تحته، حتى يلقيها على لسان الساحر أو الكاهن، فربما أدرك الشهاب قبل أن يلقيها، وربما ألقاها قبل أن يدركه، فيكذب معها مائة كذبة».
قال الطبري في «جامع البيان» (21/ 16)جامع البيانالطبري٢١/١٦: «يقول تعالى ذكره: إلا من اختلس من هؤلاء الشياطين المردة خطفة، والخطفة: هي المرة الواحدة من الخطف؛ وهو الأخذ في سرعة وعجلة، فأتبعه شهاب ثاقب؛ يعني كوكباً مضيئاً ثاقباً يثقب بضوئه وحره فيحرقه».
وقال مجاهد وقتادة: «{ثَاقِبٌ} أي مضيء محرق، يثقبه فيقتله أو يخبله».
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{إِلَّا}: أداة استثناء متصل أو منقطع.
{مَنْ}: اسم موصول مبني على السكون في محل نصب على الاستثناء من الواو في «لا يسمعون» أو من الضمير في «يقذفون».
{خَطِفَ}: فعل ماض مبني على الفتح، والفاعل مستتر تقديره هو، والجملة صلة الموصول لا محل لها من الإعراب. والخطف: أخذ الشيء بسرعة وحيلة واستلاب.
{الْخَطْفَةَ}: مفعول مطلق مبين للعدد منصوب بالفتحة الظاهرة؛ أي خطفة واحدة سريعة، أو مفعول به؛ أي الشيء المختطف.
{فَأَتْبَعَهُ}: الفاء عاطفة تفيد التعقيب والسرعة، «أتبع» فعل ماض مبني على الفتح، والهاء مفعول به أول مقدم.
{شِهَابٌ}: فاعل مرفوع بالضمة الظاهرة. والشهاب: شعلة النار الساطعة المقتبسة من النجوم.
{ثَاقِبٌ}: نعت لشهاب مرفوع بالضمة الظاهرة. والثاقب: المضيء المتوقد الذي يثقب الظلام بضوئه، أو يخترق الشيء بحرارته وقوته.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
هذا الاستثناء الاستدراكي يرسم دقة الحراسة الإلهية؛ فلكيلا يتوهم متوهم أن الشيطان إذا أفلت بسرعة خاطفة نجا، جاء النص ببيان الصاروخ الكوني المرصود له فوراً: {فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ ثَاقِبٌ}، لتقفل كل ثغرة أمام التشكيك في نزاهة الوحي.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة تعارض الشهب الفلكية (النيازك والشهب الطبيعية) مع الرجم القرآني: يزعم الملاحدة أن الشهب ظاهرة فلكية احتراقية لكتل صخرية في الغلاف الجوي وليست رجوماً لشياطين.
رد الشبهة بالمحاكمة العلمية والعقدية لتسخير السنن الكونية: لا منافاة إطلاقاً بين كون الشهاب كتلة صخرية أو غازية تشتعل بالاحتكاك بالغلاف الجوي، وبين كونه مسخراً بأمر الله لرجم مسترقي السمع؛ فالخالق الذي سن القوانين الفيزيائية للاحتراق هو الذي سخر هذه الكتل وأطلقها في الزمان والمكان المقدرين لتصيب الشيطان الخاطف، فالعلم يصف الكيفية الفيزيائية للشهاب، والقرآن يكشف الغاية الوظيفية الملكوتية له، ودمج الوجهين هو كمال الفهم.
المصدر الدال على المرة {الْخَطْفَةَ}: لتصوير سرعة الحركة والذعر؛ فهو لا يتمكن من الجلوس والاستماع، بل يختلس اختلاساً خاطفاً في رمشة عين ومع ذلك لا يسلم.