التعبير عن التبجح الجاهلي والطعن الوقح في مقام النبي صلى الله عليه وسلم؛ حيث يبرر المشركون استكبارهم عن كلمة التوحيد بقولهم مستنكرين: أنترك عبادة آلهتنا وأصنام آبائنا التي عكفنا عليها دهراً من أجل قول رجل شاعر مجنون؟ فرموا سيد المرسلين وأعقل الخلق وأصدقهم بأشنع الأوصاف المتناقضة صيانةً لأوثانهم الباطلة.
قرأ نافع والكسائي ويعقوب بالاستفهام في الأول على الخبر في الثاني، وقرأ باقي السبعة بالاستفهام التوبيخي {أَئِنَّا}.
قال الطبري في «جامع البيان» (21/ 46)جامع البيانالطبري٢١/٤٦: «يقول تعالى ذكره: ويقول هؤلاء المشركون لما دُعوا إلى قول لا إله إلا الله: أنحن تاركو آلهتنا التي ورثنا عبادتها عن آبائنا، لقول رجل شاعر مجنون؟ يعنون بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ جهلاً منهم وضلالاً وشتماً للحق وأهله».
وقال قتادة ومجاهد: «قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم: شاعر مجنون، حمية لجاهليتهم وعبادة أصنامهم».
وقال ابن كثير: «أي أَنَدَعُ عبادة آلهتنا لقول هذا الشاعر المجنون؟ يعنون النبي صلى الله عليه وسلم، فرد الله عليهم وافترى عليهم».
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{مَّجْنُونٍ}: نعت لشاعر مجرور بالكسرة الظاهرة. والمجنون: من زال عقله وتخبطته الشياطين بزعمهم، وجملة الاستفهام مقول القول في محل نصب.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
هذا القول الشنيع هو الترجمة العملية لاستكبارهم في الآية السابقة {يَسْتَكْبِرُونَ}؛ فلما أرادوا تسويغ استكبارهم أمام جماهير العرب، لجؤوا إلى الطعن المزدوج: تشويه الداعي بنعت (شاعر مجنون)، وتصوير التوحيد بأنه تضييع لتراث الآباء والأجداد وترك للآلهة.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة التناقض الفاضح في جمعهم بين وصفي «شاعر» و«مجنون»: كيف يكون شاعراً يحبك النظم الدقيق، وفي نفس الوقت مجنوناً زائل العقل؟
رد الشبهة بالمحاكمة المنطقية لتهافت واضطراب المفترين: هذا الجمع بين النقيضين يفضح إفلاسهم العقلي؛ فالشعر يتطلب كمال البلاغة وضبط المعاني ووزن القوافي والذكاء الفائق، والجنون يستلزم الهذيان وسقوط التمييز وانخزام العقل، والجمع بينهما في رجل واحد محال عقلاً وواقعاً، مما يثبت أن تلك الأوصاف لم تكن عن قناعة بل كانت رجمًا بالغيب وتخبطاً نفسياً أمام سطوة القرآن المعجز الذي أخرس فصحاءهم.
التأكيد بـ «إنّ» واللام المزحلقة في استفهامهم {أَئِنَّا لَتَارِكُو}: لإبراز شدة استبعادهم واستنكافهم من فكرة ترك الأصنام، كأنهم يعتبرون التوحيد جريمة لا تغتفر.
التنكير التحقيري في {لِشَاعِرٍ مَّجْنُونٍ}: قصدوا به النيل من قدر النبي صلى الله عليه وسلم والتهوين من دعوته في نفوس الأعراب والعامة.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
الصبر على سفاهة الخصوم وألقابهم الباطلة؛ فإن أشرف الخلق صلى الله عليه وسلم نيل من عرضه وعقله بالبهتان.
عدم الالتفات للشائعات؛ فالمبطلون يمارسون ذات التشويه عبر العصور بوصف المصلحين بالرجعية أو الجنون لصد الناس عن الحق.