تفسير الطبري (جامع البيان، ج 19، ص 586)جامع البيانالطبري١٩/٥٨٦: ذكر توجيهين للمفسرين:
"ما" مصدرية؛ أي والله خلقكم وعملكم وأفعالكم.
"ما" موصولة بمعنى الذي؛ أي والله خلقكم وخلق ما تعملونه وتنحتونه بأيديكم من الأصنام والحجارة. ورجح الطبري الوجه الأول واختاره أيضاً جمع من الأئمة كأبي حنيفة والبخاري في "خلق أفعال العباد".
تفسير ابن كثير (تفسير القرآن العظيم، ج 7، ص 25)تفسير القرآن العظيمابن كثير٧/٢٥: قال: يحتمل أن تكون "ما" مصدرية؛ فيكون التقدير: وخلق عملكم، ويحتمل أن تكون بمعنى الذي؛ تقديره: والذي تعملونه؛ أي تصنعونه من الأصنام، وكلا القولين حق، والأول يستدل به أهل السنة على خلق أفعال العباد؛ وفي الحديث: "إن الله يصنع كل صانع وصنعته" (رواه الحاكم وابن حبان والبخاري في خلق أفعال العباد).
تفسير القرطبي (الجامع لأحكام القرآن، ج 15، ص 89)الجامع لأحكام القرآنالقرطبي١٥/٨٩: استدل بالآية على أن الله تعالى هو الخالق لأفعال العباد وأعيانهم، وأن العبد كاسب لفعله، مبطلاً مذهب المعتزلة والقدرية.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
البناء اللغوي والمعجمي:
{خَلَقَكُمْ}: الخلق: الإيجاد من العدم والتقدير التام بحكمة وقدرة مطلقة.
{وَمَا تَعْمَلُونَ}: "ما" إما مصدرية مؤولة مع الفعل بمصدر؛ أي وعملكم، وإما اسم موصول بمعنى الذي؛ أي والذي تنحتونه وتصنعونه من الحجارة.
الإعراب التفصيلي:
{وَاللَّهُ}: الواو حالية أو عاطفة، الله: اسم الجلالة مبتدأ مرفوع بالضمة.
{خَلَقَكُمْ}: فعل ماض مبني على الفتح، والفاعل ضمير مستتر تقديره هو، والكاف مفعول به، والجملة خبر المبتدأ.
{وَمَا}: الواو عاطفة، ما: اسم موصول معطوف على الكاف في محل نصب (أو مصدرية والمصدر المؤول معطوف في محل نصب).
{تَعْمَلُونَ}: فعل مضارع مرفوع بثبوت النون، والواو فاعل، وجملة الصلة لا محل لها.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
وجه المناسبة: استدلال قطعي متمم للآية السابقة؛ فبعد أن أنكر عليهم عبادة المنحوت: {أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ}، أقام الدليل التام بأن الخالق لكم ولأصنامكم وأفعالكم هو الله وحده، فالمتفرد بالخلق يجب أن يتفرد بالعبادة وحده لا شريك له.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
دفع شبهة الجبر واستدلال أهل السنة بخلق أفعال العباد:
المحاكمة العقلية والعقدية عند أهل السنة والجماعة: الآية صريحة في أن الله تعالى هو خالق كل شيء؛ خلق العباد وخلق ذواتهم وقدراتهم وأفعالهم، وللعباد كسب وإرادة واختيار يحاسبون عليه، فليسوا مجبورين على الكفر ولا على الطاعة جبراً يسلبهم المشيئة، بل هم فاعلون حقيقة بأفعال خلقها الله تعالى، والاحتجاج بالآية على بطلان الشرك قاطع؛ لأنه إذا كان عمل الإنسان الحجري مخلوقاً لله، فكيف يُعبد المخلوق من دون الخالق؟!
عطف {وَمَا تَعْمَلُونَ} على {خَلَقَكُمْ}: لاستيعاب دائرة الوجود بالكامل؛ فالذوات والأفعال والمصنوعات كلها تندرج تحت ربوبية الله وخلقه، فلا يبقى لأي وثن أو مخلوق ذرة من استحقاق العبادة.
الافتتاح باسم الجلالة {وَاللَّهُ}: لتربية المهابة واستحضار عظمة الإله الحق المتفرد بالجلال والإنعام.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
المنهج العقدي والتربوي: غرس عقيدة التوحيد الصافية بأن الله هو الخالق لكل شيء، وأنه لا فاعل في الكون على الحقيقة إلا بإذنه وقدرته ومشيئته سبحانه.
الوجدان الإيماني: الطمأنينة الكاملة والتوكل التام على الله مسبب الأسباب وخالق الخلائق أجمعين.