البرهان العياني الكوني الشاهد على وحدانية الله وألوهيته؛ فالإله الواحد الذي تجب عبادته هو خالق السماوات العلى، والأرضين السفلى، وكل ما ينبثق بينهما من أجرام وهوء وسحاب وخلق لا يحصيه إلا هو، وهو رب المشارق كلها للشمس والقمر والكواكب، التي تتجدد مطالعها يوماً بعد يوم وفصلاً بعد فصل بنظام محكم بديع.
قال الطبري في «جامع البيان» (21/ 9)جامع البيانالطبري٢١/٩: «يقول تعالى ذكره: هو مالك السماوات والأرض ومدبرهما، وما بينهما من خلق وعجائب، ورب المشارق؛ يعني مشارق الشمس، فإن للشمس في كل يوم مشرقاً تطلع منه ومغرباً تغرب فيه، لا تطلع في يوم من مشرق فتطلع في الغد منه، فلذلك جمع المشارق فقال: {وَرَبُّ الْمَشَارِقِ}».
وقال قتادة والضحاك: «للشمس ثلاثمائة وستون مشرقاً ومغرباً، تطلع كل يوم من مشرق وتغرب في مغرب بحسب فصول السنة ومداراتها».
وقال ابن كثير: «أي هو الخالق المالك المتصرف في السماوات والأرض وما بينهما، ورب المشارق والمغارب للكواكب والنجوم».
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{رَّبُّ}: بدل من «واحد» مرفوع بالضمة الظاهرة، أو نعت له، أو خبر لمبتدأ محذوف تقديره: هو رب، والرب: السيد المالك المدبر المربي لخلقه بنعمه.
{السَّمَاوَاتِ}: مضاف إليه مجرور بالكسرة الظاهرة.
{وَالْأَرْضِ}: الواو عاطفة، «الأرض» معطوف على السماوات مجرور بالكسرة.
{وَمَا}: الواو عاطفة، «ما» اسم موصول مبني على السكون في محل جر معطوف.
{وَرَبُّ}: الواو عاطفة، «رب» معطوف على رب الأولى مرفوع بالضمة وهو مضاف.
{الْمَشَارِقِ}: مضاف إليه مجرور بالكسرة الظاهرة، والمشارق جمع مشرق وهو اسم مكان أو زمان لطلوع الأجرام والشمس.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
جاءت هذه الآية تعليلاً وبياناً لقوله {إِنَّ إِلَٰهَكُمْ لَوَاحِدٌ}؛ فاستدل على توحيد الألوهية (العبادة) بتوحيد الربوبية والخلق والإحاطة؛ فمن ملك السماوات والأرض والمشارق ودبر أجرامها كان هو المستحق وحده للعبادة دون ما سواه من عاجز وضعيف.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة التناقض اللفظي بين التعبير بالمشارق جمعاً، وبالشروق مفرداً، وبالمشرقين تثنية في القرآن: قد يسأل جاهل: لماذا قال هنا {الْمَشَارِقِ} وقال في موضع آخر {رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ} وفي ثالث {رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ}؟
رد الشبهة بالمحاكمة الفلكية الدقيقة للتنوع القرآني المعجز: هذا من أعظم إعجاز القرآن ودقته؛ فالمفرد {رَبُّ الْمَشْرِقِ} باعتبار الجهة العامة للشرق، والمثنى {رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ} باعتبار مشرق الصيف ومشرق الشتاء في أقصى نقطتي ميل للشمس، والجمع {وَرَبُّ الْمَشَارِقِ} باعتبار مطالع الشمس المتجددة في كل يوم من أيام السنة (365 مشرقاً)، ومطالع الكواكب والنجوم المتعددة في الفلك، فكل تعبير يحمل حقيقة فلكية قطعية تثبت ربوبية الله المحيطة.
استيعاب أركان الوجود بالتقسيم التام الجامع: ذكر السماوات (العلو)، والأرض (السفل)، وما بينهما (الفضاء والبرزخ)، لتقرير السيطرة التامة التي لا يفلت منها حيز ولا مكان.
تخصيص {الْمَشَارِقِ} بالذكر: لأن الشروق هو بداية انبعاث النور والحياة والحركة في الكون، ومطالع الأنوار دليل ساطع على قدرة الفاعل المختار.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
التفكر في مطالع الشمس وحركتها اليومية؛ فالمؤمن إذا شهد شروق الشمس تذكر قيومية ربه الذي لا يغفل ولا ينام، وأيقن بأن شمس الحق ستبدد ظلمات الباطل.
خضوع القلب لرب المشارق والمغارب؛ فلا يرجو العبد نفعاً من مخلوق كائناً ما كان.