التنزيه التام لخمر الجنة عن كل عيوب ومفاسد وأمراض خمور الدنيا؛ حيث ينفي الله عنها أمرين يفسدان كل شراب دنيوي: الأول نفي «الغول» وهو الصداع وأوجاع البطن والمغص وفساد الجسد، والثاني نفي «النزف» وهو السكر وذهاب العقل والهذيان والتقيؤ؛ فشرابهم يورث كمال البهجة والصفاء مع تمام بقاء العقل والوقار.
قرأ حمزة والكسائي وشعبة وخلف {يُنزَفُونَ} بكسر الزاي؛ من أنزف ينزف؛ أي لا ينفد شرابهم ولا يسكرون، وقرأ باقي السبعة (نافع وابن كثير وأبو عمرو وابن عامر وحفص) {يُنزَفُونَ} بفتح الزاي مبنياً للمجهول؛ أي لا تذهب عقولهم ولا يسكرون.
قال الطبري في «جامع البيان» (21/ 56)جامع البيانالطبري٢١/٥٦: «يقول تعالى ذكره: ليس في هذه الخمر غول يغول عقولهم فيذهب بها، ولا وجع في بطونهم يغتال أجسادهم كما يعتري شارب خمر الدنيا من الصداع والمغص، ولا هم عنها ينزفون؛ أي لا تسكرهم فتذهب بعقولهم، وعن ابن عباس ومجاهد وقتادة قالوا: الغول: الصداع ووجع البطن، والنزف: ذهاب العقل بالسكر».
وقال ابن كثير: «جمع الله لخمر الجنة الحسن في المنظر بالبياض، والطيب في المخبر باللذة، ونفى عنها الآفات الأربع التي تلحق خمر الدنيا: الصداع، ووجع البطن، وذهاب العقل، ونفاد الشراب».
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{لَا}: نافية للجنس مهملة لتقدم الخبر ودخولها على معرفة أو شبه جملة.
{فِيهَا}: جار ومجرور متعلق بمحذوف خبر مقدم.
{غَوْلٌ}: مبتدأ مؤخر مرفوع بالضمة الظاهرة. والغول في لغة العرب: ما يغتال الشيء ويفسده سراً وباطناً، والمراد هنا الصداع وأوجاع البطن والسكر الرديء.
{يُنزَفُونَ}: فعل مضارع مبني للمجهول مرفوع بثبوت النون والواو نائب فاعل، والجملة خبر المبتدأ «هم»، وجملة النفي معطوفة. والنزف: ذهاب العقل بالسكر، أو نفاد الشراب.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
هذا النفي السلبي لعيوب الخمر يأتي بعد الإثبات الإيجابي لمحاسنها في الآيتين السابقتين {بِكَأْسٍ مِّن مَّعِينٍ * بَيْضَاءَ لَذَّةٍ لِّلشَّارِبِينَ}؛ ليكتمل الوصف من جانبي (التحلية والتخلية)؛ إثبات أقصى درجات اللذة والجمال، ونفي أدنى ذرة من النقص والأذى.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة توهم وقوع السكر والعربدة في الجنة: كيف يشربون الخمر دون أن يفقدوا وقارهم وعقولهم؟
رد الشبهة بالمحاكمة العلمية واللغوية للفظ القرآن المعجز: قطعت الآية بنفي الغول والنزف {لَا فِيهَا غَوْلٌ وَلَا هُمْ عَنْهَا يُنزَفُونَ}؛ فالسكر الأرضي ينتج عن سموم مادة الإيثانول التي تؤثر على خلايا الدماغ وتفقد الإنسان توازنه وتجعله يهذي ويفسد سلوكه؛ أما خمر الجنة فمركبة من عناصر النور واللذة والصفاء التي تنشط العقل وتزيده إدراكاً وسروراً دون أي تعطيل للمدارك، فالأثر هو الفرح والنشوة الروحية والجسدية النقية مع كمال الوعي والوقار.
تقديم الجار والمجرور في {لَا فِيهَا غَوْلٌ} و{وَلَا هُمْ عَنْهَا يُنزَفُونَ}: لإفادة الاختصاص والقصر؛ أي خمر الجنة سالمة مبرأة من الغول بخلاف خمور الدنيا التي كلها غول وفساد، وهم منزهون عن النزف والسكر.
التنويع بين الجملة الفعلية والاسمية: لإفادة عموم واستيعاب النفي لذات الشراب ونفي الأثر السيئ عن الشاربين على وجه الثبوت.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
شرف العقل الإنساني في ميزان الإسلام؛ فالإسلام حرم كل ما يغتال العقل في الدنيا، وضمن كمال العقل وشرفه في جنات النعيم.
التنزه عن كل ما يفسد البدن والروح؛ فالمؤمن يعف نفسه عن المسكرات والمخدرات صيانة لإنسانيته وطمعاً في كؤوس النعيم الأبدي.