بدء الحوار القصصي الواقعي بين أهل الجنة وهم يتذكرون رفقاء الدنيا ومصائرهم؛ حيث يتكلم أحد أهل النعيم إلى إخوانه وجلسائه على السرر قائلاً: إني كان لي في دار الدنيا صاحب وقرين ملازم من أهل الشك والريب والتكذيب بالآخرة، يثبطني عن الإيمان ويسخر من تصديقي بالبعث.
قال الطبري في «جامع البيان» (21/ 61)جامع البيانالطبري٢١/٦١: «يقول تعالى ذكره: قال قائل من أهل الجنة لجلسائه وإخوانه الذين يتساءلون معه: إني كان لي في الدنيا قرين؛ يعني: صاحباً وخليلاً ملازماً من أهل الشرك والكفر، يجادلني في البعث ويشككني في القيامة، وعن ابن عباس ومجاهد وقتادة والسدي قالوا: القرين هو الصاحب في الدنيا من المشركين الذي كان ينكر البعث والجزاء».
وروى ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير قال: «هما شريكان كانا في بني إسرائيل؛ أحدهما مؤمن والآخر كافر، اقتسما مالاً فأنفق المؤمن ماله في سبيل الله واشترى به أرضاً في الجنة، واشترى الكافر بماله بستاناً وقصوراً في الدنيا وأنكر البعث».
وقال ابن كثير: «يخبر تعالى عن أهل الجنة أنهم يقبل بعضهم على بعض يتساءلون عن أحوالهم في الدنيا، فيقول أحدهم: كان لي قرين؛ أي صاحب مشرك يكذب بالمعاد».
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{قَالَ}: فعل ماض مبني على الفتح.
{قَائِلٌ}: فاعل مرفوع بالضمة الظاهرة، والتنكير للتعظيم أو للتنويع؛ أي رجل مبارك من أهل الجنة.
{مِّنْهُمْ}: جار ومجرور متعلق بمحذوف نعت لـ «قائل»، والضمير يعود على أهل الجنة.
{إِنِّي}: «إنّ» حرف توكيد ونصب، والياء اسمها في محل نصب.
{كَانَ}: فعل ماض ناقص مبني على الفتح.
{لِي}: جار ومجرور متعلق بمحذوف خبر «كان» مقدم.
{قَرِينٌ}: اسم «كان» مؤخر مرفوع بالضمة الظاهرة. والقرين: الفعيل بمعنى المفاعل؛ وهو الصاحب والملازم المقارن في السفر والحضر. وجملة «كان لي قرين» في محل رفع خبر «إنّ»، وجملة {إِنِّي كَانَ لِي قَرِينٌ} مقول القول في محل نصب.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
هذا التفصيل يأتي بياناً لقوله في الآية 50: {فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ}؛ فبين القرآن نموذجاً تطبيقياً حياً من تلك التساؤلات الودية؛ وهو فتح ملفات الماضي واسترجاع قصة الصراع بين الإيمان والشك في صحبة الدنيا.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة تأثير الصاحب السيئ وإمكانية نجاة المؤمن برغم مجالسته له في الدنيا: كيف كان له قرين مشرك ومع ذلك نجا وصار من أهل الجنة؟
رد الشبهة بالمحاكمة العقدية والنفسية للثبات والفرز: الصحبة في الدنيا قد تفرضها ظروف العمل أو التجارة أو القرابة أو الجوار؛ والمؤمن الحق هو الذي يحافظ على يقينه واستقلاله العقدي، فيناصح قرينه ولا يتأثر بشبهاته، فالآية تثبت أن هذا المؤمن لم يوافق قرينه في باطله، بل صمد واعتصم بالله حتى بلغه الله دار النعيم وفضح القرين في الجحيم.