جواب القسم العظيم والقضية المركزية التي يقوم عليها الكون كله؛ حيث يقسم الله بتلك الفرق والصفوف الملائكية العظيمة على أن معبودكم الحق أيها الناس إله واحد أحد، لا شريك له في ملكه، ولا ند له في ألوهيته، ولا شبيه له في صفاته، مبطلاً كل أصنام قريش وسائر آلهة الوثنية الباطلة.
قال الطبري في «جامع البيان» (21/ 8)جامع البيانالطبري٢١/٨: «يقول تعالى ذكره: أقسم بهذه الأقسام: إن معبودكم أيها الناس الذي ينبغي لكم أن تعبدوه وتخلصوا له العبادة، لواحد لا شريك له ولا ظهير، ولا إله لكم غيره؛ فأفردوه بالألوهية، واخلعوا الأنداد التي تعبدونها من دونه».
وقال قتادة ومجاهد: «هذا جواب القسم؛ أقسم الله بالصافات والزاجرات والتاليات أن معبودكم لواحد».
وقال ابن كثير: «هذا هو المقسم عليه؛ أنه تعالى واحد لا شريك له في ألوهيته وربوبيته».
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{إِنَّ}: حرف توكيد ونصب ينصب الاسم ويرفع الخبر، وجملة القسم وجوابه مستأنفة لتقرير العقيدة.
{إِلَٰهَكُمْ}: «إله» اسم «إن» منصوب بالفتحة الظاهرة وهو مضاف، والكاف ضمير متصل مبني في محل جر مضاف إليه، والميم علامة الجمع. والإله: المألوه المعبود بحق ومحبة وتعظيم.
{لَوَاحِدٌ}: اللام المزحلقة للتأكيد والربط بجواب القسم، «واحد» خبر «إن» مرفوع بالضمة الظاهرة. والواحد: الفرد الذي لا يتجزأ ولا شريك له ولا نظير.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
هذا الإيجاز الحاسم يمثل الذروة العقدية بعد مقدمة القسم الثلاثية؛ فلما حشد سبحانه مهابة الملائكة في صفوفها وزجرها وتلاوتها، فاجأ الأسماع بالقرار الوجودي الصارم: {إِنَّ إِلَٰهَكُمْ لَوَاحِدٌ}، ليكون البرهان قاطعاً لا يحتمل الشك.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
رد الشبهة بالمحاكمة العقلية لبرهان التمانع ووحدة النظام الكوني: وحدة الكون وتناسق حركته التامة - التي ستفصلها الآية التالية - برهان عقلي قاطع على وحدة صانعه ومدبره؛ إذ لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا وتنازعت الإرادات واضطرب الفلك، فانتظام الوجود دليل حتمي على أن الإله واحد أحد فرد صمد.
التوكيد المزدوج بـ «إنّ» واللام المزحلقة: في {إِنَّ... لَوَاحِدٌ}؛ لدفع إنكار المنكرين وشكوك المعاندين وتثبيت اليقين المطلق في القلوب.
إضافة الإله إلى المخاطبين {إِلَٰهَكُمْ}: استثارة لعقولهم وفطرتهم؛ أي الذي خلقكم ورزقكم ويملك مصيركم هو إلهكم الحق، فلماذا تعبدون غيره مما لا يملك لكم نفعاً ولا ضراً؟
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
إخلاص التوحيد لله في السر والعلن؛ فالمسلم لا يرجو إلا الله، ولا يخاف إلا الله، ولا يتوكل إلا عليه، مطهراً قلبه من الرياء والشرك الخفي.
دعوة الناس إلى كلمة التوحيد بالحجة والبيان؛ فهي أساس النجاة ومفتاح الجنة وغاية الوجود الإنساني.