التبكيت والتقريع الإلهي الملائكي الصارم على رؤوس الأشهاد؛ حيث يُجاب هؤلاء المشركون بعد صراخهم بالويل: هذا هو اليوم الحق الذي يفصل الله فيه بين عباده، ويفرق بين المحق والمبطل، ويفصل بين أهل الجنة وأهل النار، وهو عين اليوم الذي كنتم في دنياكم تكذبون بوقوعه وتسخرون من نذره.
قال الطبري في «جامع البيان» (21/ 29)جامع البيانالطبري٢١/٢٩: «يقول تعالى ذكره: يقال لهؤلاء المشركين تقريعاً وتوبيخاً: هذا يوم الفصل الذي يقضي الله فيه بين خلقه بالحق، فيفصل بين أهل طاعته وأهل معصيته، الذي كنتم في الدنيا تكذبون به ولا توقنون بمجيئه».
وقال قتادة ومجاهد والضحاك: «يوم الفصل: يوم يفصل الله فيه بين الخلائق بأعمالهم، ويقال لهم ذلك إهانة وتوبيخاً».
وقال ابن كثير: «تقول لهم الملائكة توبيخاً وتقريعاً: هذا يوم الفصل الذي كنتم به تكذبون».
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{هَٰذَا}: الهاء للتنبيه، و«ذا» اسم إشارة مبني على السكون في محل رفع مبتدأ.
{يَوْمُ}: خبر المبتدأ مرفوع بالضمة الظاهرة وهو مضاف.
{الْفَصْلِ}: مضاف إليه مجرور بالكسرة الظاهرة. والفصل: القطع والتمييز بين الشيئين، والحكم الفاصل بين الخصوم.
{الَّذِي}: اسم موصول مبني على السكون في محل جر نعت ليوم الفصل.
{كُنتُم}: فعل ماض ناقص مبني على السكون، والتاء اسمه.
{تُكَذِّبُونَ}: فعل مضارع مرفوع بثبوت النون والواو فاعل، والجملة خبر «كنتم»، وجملة كنتم به تكذبون صلة الموصول لا محل لها من الإعراب والعائد محذوف؛ أي تكذبون به.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
هذا الرد الحاسم يتصل بقولهم في الآية السابقة: {هَٰذَا يَوْمُ الدِّينِ}؛ فلما سموه يوم الدين جزاءً، زادتهم الملائكة تقريعاً ببيان جوهره القضائي: {هَٰذَا يَوْمُ الْفَصْلِ}، وربطت الحاضر المشهود بالماضي المنكر {الَّذِي كُنتُم بِهِ تُكَذِّبُونَ} لإحكام الفضيحة عليهم.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة توهم تداخل الصفوف أو ضياع الحقوق في زحام القيامة: كيف يتم الفصل بين مليارات البشر المزدحمين في المحشر؟
رد الشبهة بالمحاكمة العقدية لدلالة «يوم الفصل»: سمي اليوم بيوم الفصل لأن العدالة الإلهية المطلقة تفصل بالدقة المتناهية بين كل حق وباطل، وتفرز أهل الجنة عن أهل النار، وتفصل بين الظالم والمظلوم حتى يقاد للشاة الجلحاء من الشاة القرناء، فلا اختلاط ولا محاباة ولا ضياع لمثقال خردلة.
إيجاز الحذف في القول المقدر: «يقال لهم توبيخاً: هذا يوم الفصل»؛ لإبراز مباغتة التقريع وشدة وقعه على النفوس الذليلة.
تقديم الجار والمجرور في {بِهِ تُكَذِّبُونَ}: لإفادة الحصر والقصر؛ أي بهذا اليوم العظيم بالذات كنتم تجادلون وتكذبون دون سائر المغيبات، فانظروا إليه اليوم رأي عين.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
الاستعداد ليوم الفصل برد المظالم والتحلل من حقوق العباد في الدنيا قبل أن يُفصل فيها يوم القيامة بالحسنات والسيئات.
التصديق المطلق بكل ما أخبر به القرآن من أحوال القيامة؛ ليكون المسلم من الآمنين المبشرين لا من المقرعين المكذبين.