تحول المشهد إلى البحث والاستكشاف لمصير ذلك القرين لمعاينة عاقبة التكذيب؛ حيث يقول ذلك المؤمن لإخوانه وجلسائه في الجنة بعد أن أنهى حكايته: هل تحبون أن نطلع ونشرف على أهل النار لنرى أين انتهى مصير ذلك الصاحب المستكبر وما حل به؟
قال الطبري في «جامع البيان» (21/ 64)جامع البيانالطبري٢١/٦٤: «يقول تعالى ذكره: قال هذا المؤمن لأصحابه وإخوانه في الجنة: هل أنتم مطلعون معي إلى النار لننظر إلى ذلك القرين أين صار وما فعل به؟ وقيل: إن هذا القول قاله الله أو الملائكة لأهل الجنة: هل أنتم مطلعون؟ والأول أولى بالسياق؛ أنه من كلام المؤمن لإخوانه في الجنة شوقاً لمعرفة مصير قرينه وحمداً لله على نجاته منه، وعن ابن عباس ومجاهد وقتادة قالوا: قال المؤمن لإخوانه في الجنة: هل أنتم مطلعون معي لنرى ذلك القرين؟».
وقال ابن كثير: «أي قال المؤمن لأصحابه في الجنة: هل تحبون أن تطلعوا لتشاهدوا مصيره في النار؟ فيطلع فيراه في سواء الجحيم».
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{قَالَ}: فعل ماض مبني على الفتح، والفاعل مستتر تقديره هو يعود على المؤمن القائل.
{هَلْ}: حرف استفهام مبني على السكون يفيد العرض والتشويق والحث.
{أَنتُم}: ضمير منفصل مبني في محل رفع مبتدأ.
{مُّطَّلِعُونَ}: خبر المبتدأ مرفوع بالواو لأنه جمع مذكر سالم، والجملة مقول القول في محل نصب. والمطلع: اسم فاعل من اطّلع يطّلع افتعال من طلع؛ وهو الإشراف على الشيء من مكان عالٍ والنظر إليه في غوره.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
هذا العرض يمثل الانتقال من مرحلة الحديث النظري والذكريات إلى مرحلة التحقيق البصري العياني لمصير الظالمين؛ ليزداد المؤمن شكراً ويقيناً بما أنعم الله عليه من فضل ونجاة.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة إمكانية رؤية أهل الجنة لأهل النار مع البعد الهائل بين الدارين: كيف يرى أهل الجنة من في دركات الجحيم؟
رد الشبهة بالمحاكمة العقدية للقدرة الإلهية والخصائص الأخروية: أودع الله في حواس أهل الجنة وبصائرهم من القوة والاتساع ما يمكنهم من رؤية ما يشاؤون في أرجاء الملكوت؛ فتُكشف الحجب وتُمكّن الأبصار من الإشراف على قعر الجحيم دون أدنى تأذٍّ بحرها أو دخانها، كما يرى الإنسان اليوم عبر الأقمار الصناعية والشاشات أعماق المحيطات وهو في غرفته الآمنة، ولله المثل الأعلى في قدرته الخارقة.