التشبيه الحسي البياني الرائع لصفاء أجسادهن ورقة بشرتهن ونقاء بياضهن المشرب بحمرة وصفرة ندية؛ حيث يشبههن القرآن ببيض النعام المصون المحفوظ المستور في عشّه بين الريش، لم تمسه الأيدي، ولم يغيره الغبار، ولم تصبه الرياح، فهو في قمة الصفاء والنعومة والنقاء.
قال الطبري في «جامع البيان» (21/ 59)جامع البيانالطبري٢١/٥٩: «يقول تعالى ذكره: كأن هؤلاء القاصرات الطرف في بياضهن وحسنهن وصفاء ألوانهن، بيض مكنون؛ يعني: بيض نعام قد كُنّ في عشه وستر بريشه وريشه عليه، لم تمسه ريح ولا غبار ولا دنس، ولم تبسط عليه يد، فهو في غاية الصفاء والبياض الذي يشوبه قليل من الصفرة الرائقة، وهو أحسن ألوان النساء عند العرب، وعن ابن عباس ومجاهد وقتادة والسدي قالوا: هو بيض النعام المكنون المصون في أدحيه».
وقال ابن كثير: «شبههن ببيض النعام المصون المكنون؛ أي المحفوظ في عشه الذي لم تمسه الأيدي ولا يغشاه الغبار، وهو بياض مشرب بصفرة حسنة في غاية النعومة والصفاء».
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{كَأَنَّهُنَّ}: «كأنّ» حرف تشبيه ونصب من أخوات إن، والضمير «هن» اسمها في محل نصب.
{بَيْضٌ}: خبر «كأنّ» مرفوع بالضمة الظاهرة. والبيض اسم جنس جمعي.
{مَّكْنُونٌ}: نعت لبيض مرفوع بالضمة الظاهرة. والمكنون: المستور المصون في الكن؛ وهو الغطاء والحرز الحافظ للشيء من الأوساخ والتبدل.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
هذا التشبيه يكمل تفاصيل جمالهن بعد أن وصفهن بـ {قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ عِينٌ}؛ فانتقل من وصف العفة والعيون إلى وصف البشرة والجسد بالصفاء والنعومة والنقاء المطلق، ليكون الوصف مستوعباً لكل أبعاد الجمال البشري والخلدي.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة توهم الغرابة في التشبيه بالبيض في الذوق المعاصر: قد يستغرب غير العارف ببيئة الفصاحة واللغة التشبيه بالبيض.
رد الشبهة بالمحاكمة البلاغية والجمالية العربية الدقيقة: بيض النعام المصون تحت ريش أمه في أكنان الصحراء هو عند أرباب الفصاحة والجمال الغاية القصوى في رقة القشرة، وصفاء البياض المشرب بنضرة لؤلؤية هادئة مريحة للبصر لا بياضاً كلسياً جافاً؛ ولذلك قال امرؤ القيس في معلقته المشهورة: «وبيضة خدر لا يُرام قناعها ... تَمَتَّعْتُ من لَهْوٍ بها غيرَ مُعْجَلِ»، فشبه المرأة المصونة بالبيضة، فالقرآن حاكى أرقى وأدق مقاييس الجمال الطبيعي الصافي المصون.