تصوير الاضطرار الشديد والجوع القاتل الذي يلجئ أهل النار إلى أكل تلك الثمار البشعة؛ حيث يلقي الله عليهم جوعاً كاسراً يضطرهم اضطراراً قهرياً إلى التهام ثمار شجرة الزقوم المرة الكريهة الشوكية، فيملؤون منها بطونهم الجائعة حتى تغلي في بطونهم كغلي الحميم.
قال الطبري في «جامع البيان» (21/ 76)جامع البيانالطبري٢١/٧٦: «يقول تعالى ذكره: فإن هؤلاء المشركين بالله في جهنم لآكلون من شجرة الزقوم كُرهاً واضطراراً لما يلقى عليهم من الجوع الشديد، فمالئون منها بطونهم؛ لا يجدون طعاماً غيرها فيدفعهم الجوع إلى التهامها وملء أجوافهم منها، وهي تغلي في بطونهم كغلي المهل».
وقال قتادة ومجاهد والضحاك: «يُسلّط عليهم الجوع حتى يعدل ما هم فيه من العذاب، فيضطرون إلى شجرة الزقوم فيأكلون منها حتى تملأ بطونهم فتقطع أمعاءهم».
وقال ابن كثير: «أي يأكلون من هذه الشجرة الخبيثة التي طلعها كرءوس الشياطين كرهاً وقسراً لشدة الجوع، فإذا ملؤوا بطونهم اشتد بهم العطش فطلبوا الشراب».
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{لَآكِلُونَ}: اللام المزحلقة للتأكيد، «آكلون» خبر «إنّ» مرفوع بالواو لأنه جمع مذكر سالم.
{مِنْهَا}: جار ومجرور متعلق بآكلون، و«ها» تعود على شجرة الزقوم.
{فَمَالِئُونَ}: الفاء عاطفة تفيد التعقيب المباشر، «مالئون» معطوف على آكلون مرفوع بالواو وهو اسم فاعل مضاف لمفعوله.
{مِنْهَا}: جار ومجرور متعلق بمالئون.
{الْبُطُونَ}: مفعول به لاسم الفاعل «مالئون» منصوب بالفتحة الظاهرة.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
هذا المشهد يعقب بيان قبح الشجرة في الآية السابقة؛ فكأن سائلاً يسأل: إذا كان طلعها بهذه البشاعة كرؤوس الشياطين فكيف يأكلون منها؟ فجاء الجواب بالتوكيد القاطع: {فَإِنَّهُمْ لَآكِلُونَ مِنْهَا فَمَالِئُونَ مِنْهَا الْبُطُونَ}؛ لبيان أن قهر الجوع أشد من بشاعة المنظر، فصار الأكل نفسه لونا فظيعاً من ألوان التعذيب.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة امتناع العاقل عن تناول الطعام القاتل والمنفر: هل يستطيع المعذب أن يمتنع عن الأكل في جهنم؟
رد الشبهة بالمحاكمة العقدية لسلطان القهر والجوع في الآخرة: في جهنم تسقط إرادة الامتناع والاختيار؛ فالجوع المسلط عليهم ليس جوعاً دنيوياً عادياً بل هو نار تستعر في الأحشاء تفقد العبد صوابه وتدفعه دفعاً أعمى لالتهام أي شيء أمامه حتى لو كان شوكاً وزقوماً، فالأكل هنا عذاب واضطرار قسري لا تلذذ ولا شبع حقيقي: {لَّيْسَ لَهُمْ طَعَامٌ إِلَّا مِن ضَرِيعٍ * لَّا يُسْمِنُ وَلَا يُغْنِي مِن جُوعٍ}.
التوكيد بـ «إنّ» واللام في {لَآكِلُونَ}: لقطع أي توهم في امتناعهم عن أكلها.
التعبير بـ {فَمَالِئُونَ مِنْهَا الْبُطُونَ}: يدل على الشراهة البائسة الناتجة عن ألم الجوع؛ فهم لا يذوقون لقمة عابرة بل يملؤون بطونهم بها ملأً شنيعاً يضاعف تمزق أمعائهم.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
شكر نعمة الطعام الطيب الحلال في الدنيا؛ فالمؤمن يتذكر فضل الله في كل لقمة سائغة يتناولها ويعلم أن أهل النار طعامهم الزقوم.
الحذر من أكل الحرام وأموال اليتامى والربا في الدنيا؛ فإن كل بطن نبت من سحت فالنار أولى به، وتملأ بطونهم غداً بالزقوم والجمر.