تقرير السنّة الإلهية العامة والعدالة المطلقة في مجازاة أهل الإجرام؛ حيث يعلن سبحانه أن هذا الجزاء الصارم، وهذا الإذلال المشترك في العذاب، ليس خاصاً بمشركي قريش فقط، بل هو سنّة الله الدائمة وقضاؤه العادل الذي ينفذه في كل مجرم كفر بربه وتجاوز حدوده في أي زمان ومكان.
قال الطبري في «جامع البيان» (21/ 44)جامع البيانالطبري٢١/٤٤: «يقول تعالى ذكره: إنا مثل هذا الفعل الذي نفعل بهؤلاء المشركين من إيرادهم صراط الجحيم، وإلقائهم في العذاب مشتركين، نفعل بسائر المجرمين الذين أجرموا في الدنيا الشرك بربهم واقترفوا المعاصي وكذبوا رسله».
وقال قتادة: «هذه سنّة الله في كل من أجرم وظلم وكذب رسله».
وقال ابن كثير: «أي هكذا نجازي كل من كفر بآيات الله وعصى رسله؛ نذيقه العذاب المشترك مع أقرانه».
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{إِنَّا}: «إنّ» حرف توكيد ونصب، و«نا» اسمها.
{كَذَٰلِكَ}: الكاف حرف تشبيه وجر، «ذلك» اسم إشارة في محل جر متعلق بمحذوف مفعول مطلق نائب عن المصدر لـ «نفعل»؛ أي: نفعل فعلاً كائناً مثل ذلك الفعل.
{نَفْعَلُ}: فعل مضارع مرفوع بالضمة، والفاعل مستتر وجوباً تقديره نحن، والجملة في محل رفع خبر «إن».
{بِالْمُجْرِمِينَ}: جار ومجرور متعلق بنفعل، وعلامة جره الياء لأنه جمع مذكر سالم. والمجرم: من اكتسب الجرم العظيم وأصر عليه.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
هذا التذييل الحكيم يرفع الحكم من القضية الخاصة للمتخاصمين إلى مرتبة القاعدة الكلية العامة الجامعة؛ ليعلم كل قارئ وسامع للقرآن أن الإجرام له عاقبة واحدة ثابتة لا تتبدل، فيرتدع السامع عن مماثلة أولئك المجرمين.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة المحاباة أو استثناء بعض الطغاة والمجرمين من العقوبة: قد يظن البعض أن بعض الأمم أو الأفراد قد يفلتون من العقاب لحيلتهم أو سلطانهم.
رد الشبهة بالمحاكمة العقدية لعموم السنّة الإلهية وتنكيس الإجرام: كلمة {بِالْمُجْرِمِينَ} بأل الاستغراقية تقطع كل توهم؛ فالعدالة الإلهية مطلقة لا تحابي قوماً ولا تستثني أحداً، وكل من اتصف بوصف الإجرام حق عليه هذا الجزاء، وسنن الله جارية لا تتبدل ولا تتحول: {سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلُ ۖ وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا}.
الإشارة بـ {كَذَٰلِكَ} الدالة على البعد والتعظيم: لتفخيم هذا الفعل الإلهي وعظم شأنه وعدالته في سحق الطغيان.
العدول إلى الاسم الظاهر {بِالْمُجْرِمِينَ} بدلاً من «بهم»: لتعليق الحكم بالوصف؛ أي إنما عذبوا وأهينوا لإجرامهم، فكل من شاركهم في الإجرام شاركهم في الانتقام.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
الخوف من مقارفة أسباب الإجرام؛ فالذنوب والمعاصي والظلم كلها مسالك تفضي بصاحبها إلى صفة الإجرام المهلكة.
طمأنينة المظلومين والمستضعفين؛ فإن الطواغيت والمجرمين مهما علوا في الأرض فإن سنة الله في انتظارهم لتبطش بهم وتذيقهم الهوان.