التعبير عن قمة الغبطة والابتهاج بنعمة الخلود والأمان من الموت؛ حيث يلتفت هذا المؤمن المنعم فرحاً مسروراً إلى إخوانه في الجنة، متسائلاً سؤال تلذذ واستيقان وبشارة: أحقاً أننا لن نموت بعد اليوم، ولن ينقطع عنا هذا النعيم المقيم أبداً؟
ثبت في «صحيح البخاري» (حديث 4730) و«صحيح مسلم» (حديث 2849) عن ابن عمر وأبي سعيد الخدري رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إذا صار أهل الجنة إلى الجنة وأهل النار إلى النار، جِيء بالموت حتى يُجعل بين الجنة والنار، ثم يُذبح، ثم ينادي مناد: يا أهل الجنة خلود فلا موت، ويا أهل النار خلود فلا موت، فيزداد أهل الجنة فرحاً إلى فرحهم، ويزداد أهل النار حزناً إلى حزنهم».
قال الطبري في «جامع البيان» (21/ 68)جامع البيانالطبري٢١/٦٨: «يقول تعالى ذكره: قال هذا المؤمن لما عاين كرامة الله وما أعد له في الجنة من النعيم مقبلاً على إخوانه فرحاً مستبشراً: أفما نحن بميتين بعد اليوم ومفارقي هذا النعيم؟ يقرر إخوانه بالنعمة ويستلذ دوامها وبقاءها».
وقال مجاهد وقتادة والضحاك: «قال ذلك المؤمن فرحاً بالخلود واستعظاماً لما أنعم الله به عليه من البقاء الدائم».
وقال ابن كثير: «يقول المؤمن مبتهجاً ومغتبطاً بما أوتوا من النعيم ودوام الإقامة ورفع الموت: أفما نحن بميتين؟».
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{أَفَمَا}: الهمزة للاستفهام الإنكاري التقريري الاستبشاري، والفاء عاطفة على مقدر يقتضيه السياق، و«ما» نافية تعمل عمل ليس (حجازية) أو مهملة (تميمية).
{نَحْنُ}: ضمير منفصل مبني في محل رفع اسم «ما» أو مبتدأ.
{بِمَيِّتِينَ}: الباء حرف جر زائد لتأكيد النفي، «ميتين» خبر «ما» أو خبر المبتدأ مجرور لفظاً منصوب محلاً بفتحة مقدرة أو بالياء. والميت: اسم فاعل أو صفة مشبهة ممن فارقته الحياة. وقرئ بتشديد الياء {بِمَيِّتِينَ} وتخفيفها {بِمَيْتِينَ}.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
هذا التساؤل المبهج يأتي تتويجاً لمشاهد النجاة؛ فبعد أن عاين قرينه في النار وتذكر فضل الله بنجاته، التفت إلى أثمن أمنية تراود قلب الإنسان؛ وهي «أبدية النعيم» والأمان المطلق من شبح الموت الذي ينغص كل لذة في الدنيا.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة خوف زوال النعيم بالموت في الدار الآخرة: هل يمكن أن يطرأ الموت على أهل الجنة بعد مليارات السنين؟
رد الشبهة بالمحاكمة العقدية والنصية لحقيقة الخلود: قطعت الآية والأحاديث المتواترة بدوام البقاء؛ فالموت إنما كان سنّة لدار الابتلاء والفناء، فإذا دخل أهل الجنة الجنة ذُبح الموت وصار الخلود سرمداً لا ينتهي، واستفهام المؤمن {أَفَمَا نَحْنُ بِمَيِّتِينَ} هو استفهام إقرار وتلذذ بانتفاء الموت للأبد، فلا هرم ولا زوال ولا فناء.