تفسير الطبري (جامع البيان، ج 19، ص 606)جامع البيانالطبري١٩/٦٠٦: بسنده عن ابن عباس وابن مسعود وجابر وقتادة: هذه الآية أصرح دليل وأوضح برهان على أن الذبيح الذي تقدم ذكره هو إسماعيل عليه السلام؛ لأن الله تعالى لما فرغ من قصة الذبيح وجزائه، قال بعد ذلك: {وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيًّا مِّنَ الصَّالِحِينَ}، فالبشارة بإسحاق كانت بشارة متجددة جزاءً لصبره وفدائه لولده البكر.
تفسير ابن كثير (تفسير القرآن العظيم، ج 7، ص 33)تفسير القرآن العظيمابن كثير٧/٣٣: استدل بهذه الآية استدلالاً قاطعاً على أن الذبيح إسماعيل، وقال: "لما بذل نفسه وولده لله تعالى، وفداه الله تعالى وأثنى عليه، أعطاه الله بعد ذلك ولداً آخر وهو إسحاق وبشره بأنه سيكون نبياً صالحاً، فمن زعم أن إسحاق هو الذبيح فقد تكلف ورد نص القرآن وتناقض سياقه".
تفسير القرطبي (الجامع لأحكام القرآن، ج 15، ص 105)الجامع لأحكام القرآنالقرطبي١٥/١٠٥: بين أن البشارة تضمنت ولادته وتضمنت نبوته وصلاحه؛ فكانت ثلاث بشارات في كلمة واحدة.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
البناء اللغوي والمعجمي:
{بِإِسْحَاقَ}: إسحاق بن إبراهيم عليهما السلام، ولدته سارة بعد الكبر واليأس.
{نَبِيًّا}: المنبأ الموحى إليه بشرع ورسالة، من النبوة وهي الرفعة أو من النبأ وهو الخبر العظيم.
{الصَّالِحِينَ}: القائمين بحق الله وحق العباد.
الإعراب التفصيلي:
{وَبَشَّرْنَاهُ}: الواو عاطفة، بشر: فعل ماض، و"نا" فاعل، والهاء مفعول به.
{بِإِسْحَاقَ}: جار ومجرور بالفتحة نيابة عن الكسرة لمنعه من الصرف للعلمية والعجمة، متعلقان بـ {بَشَّرْنَاهُ}.
{نَبِيًّا}: حال منصوبة من إسحاق وعلامة نصبها الفتحة المقدرة على التبشير (أي مقدراً نبوته عند ولادته)، أو مفعول ثانٍ.
{مِّنَ الصَّالِحِينَ}: جار ومجرور متعلقان بمحذوف نعت لـ {نَبِيًّا}.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
وجه المناسبة: ترتيب إلهي معجز في توالي العطايا؛ فلما جاد بولده البكر وبذله صابراً محتسباً، رد الله عليه ولده البكر سالماً مفدى، وزاده هبة ولد آخر وهو إسحاق وجعله نبياً صالحاً، فاجتمعت له سعادة الدنيا والآخرة وكرامة النبوة في عقبه.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
دفع شبهة الروايات الإسرائيلية القائلة بذبح إسحاق:
المحاكمة العقلية والوثائقية الصارمة:
نصوص القرآن متآزرة على أن البشارة بإسحاق جاءت متأخرة عن قصة الذبيح هاهنا، وفي سورة هود قرنت البشارة بإسحاق بولادة يعقوب منه، فلو ذبح وهو غلام لما ولد منه يعقوب، وهذا يبطل دعوى ذبحه.
التوراة المتداولة تذكر أن الله قال لإبراهيم: "خذ ابنك وحيدك الذي تحبه واذبحه"، وإسحاق لم يكن وحيداً قط؛ لأن إسماعيل ولد قبله بأربع عشرة سنة، فالوحيد الحقيقي هو إسماعيل قبل أن يولد إسحاق.
اعتراف كبار المحققين بأن علماء أهل الكتاب حرفوا النص ليجعلوا الفضل لإسحاق لأنهم من بني إسرائيل فرع إسحاق، تعصباً ضد العرب المستعربة أبناء إسماعيل.
الحال المقدرة في {نَبِيًّا}: بشارة مزدوجة جمعت بين هبة الذات الشريفة (الولد) وبين هبة الوصف الأسمى (النبوة والصلاح).
العطف بالواو {وَبَشَّرْنَاهُ}: لإفادة إضافة نعمة جديدة جليلة إلى سلسلة النعم السابقة على الخليل.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
المنهج الدعوي والتربوي: من ترك شيئاً لله عوضه الله خيراً منه بأضعاف مضاعفة؛ بذل إبراهيم ولداً فنال ولدين نبيين كريمين جعل الله فيهما ومنهما أنبياء بني إسرائيل وخاتم الرسل محمد صلى الله عليه وسلم.
الوجدان الإيماني: الفرح بعطايا الله وكرمه الفياض، وتلمس حكمة الله التي تجعل المحن بوابات لأعظم المنح والفتوح.