استكمال المتبوعين لحجتهم في تبرئة أنفسهم والاعتراف بالحقيقة؛ حيث يصرحون: ما كان لنا في الدنيا أي قوة قاهرة ولا حجة ملزمة ولا برهان يجبركم على اتباعنا وترك الحق، بل لم نكن نملك إلا الدعوة والوسوسة، ولكنكم كنتم في أصل أنفسكم قوماً متجاوزين للحدود، مجانبين للحق، مستكبرين عن الطاعة، فوافق طغيانكم دعوتنا.
قال الطبري في «جامع البيان» (21/ 40)جامع البيانالطبري٢١/٤٠: «يقول تعالى ذكره: وقال الرؤساء لهم أيضاً: وما كان لنا عليكم من حجة ولا برهان ولا سلطان نقهركم به على الكفر بالله، بل كنتم قوماً طاغين؛ أي متجاوزين أمر الله، عاصين له، مستكبرين عن طاعته باختياركم ورغبتكم».
وقال قتادة: «{مِّن سُلْطَانٍ}؛ أي من حجة وقوة تقهركم، ولكن كنتم قوماً طاغين أجبتمونا إلى الباطل لما دعيتم».
وقال ابن كثير: «أي ما كان لنا عليكم من دليل ولا حجة ولا قهر يلجئكم إلى اتباعنا، بل كان طبعكم الطغيان ومخالفة الحق، فاتبعتمونا لموافقة أهوائكم».
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{وَمَا}: الواو عاطفة، «ما» نافية لا عمل لها.
{كَانَ}: فعل ماض ناقص مبني على الفتح.
{لَنَا}: جار ومجرور متعلق بمحذوف خبر «كان» مقدم.
{عَلَيْكُم}: جار ومجرور متعلق بمحذوف حال من سلطان.
{مِّن}: حرف جر زائد لتأكيد النفي واستغراق الجنس.
{سُلْطَانٍ}: اسم «كان» مؤخر مجرور لفظاً بمن الزائدة مرفوع محلاً بضمة مقدرة. والسلطان: الحجة القاهرة أو القوة المتسلطة.
{بَلْ}: حرف إضراب وانتقال.
{كُنتُمْ}: فعل ماض ناقص، والتاء اسمه.
{قَوْمًا}: خبر «كان» منصوب بالفتحة الظاهرة.
{طَاغِينَ}: نعت لقوماً منصوب بالياء لأنه جمع مذكر سالم. والطغيان: مجاوزة الحد في العصيان والتمرد.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
هذا الاعتراف من القادة يماثل تماماً خطبة إبليس في النار: {وَمَا كَانَ لِي عَلَيْكُم مِّن سُلْطَانٍ إِلَّا أَن دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي ۖ فَلَا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنفُسَكُم}؛ ليدل على أن أسلوب شياطين الإنس والجن واحد: التغرير والدعوة، ثم التبرؤ الكامل عند حلول العذاب.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة ادعاء الإكراه العقائدي والفكري في المجتمعات: هل يملك أحد أن يجبر إنساناً على الكفر القلبي؟
رد الشبهة بالمحاكمة العقلية لحرية الإرادة الباطنة: نصت الآية بزيادة «من» الاستغراقية {مِّن سُلْطَانٍ} على أن السلاطين والأحزاب لا تملك سلطاناً على الإيمان الداخلي للإنسان؛ فالإنسان قد يُكره على كلمة بلسانه فيعذر إذا كان قلبه مطمئناً بالإيمان، أما أن ينقلب كافراً محارباً للحق بملء إرادته فذلك نابع من طغيانه الداخلي واختياره الحر، ولا يملك أحد إجباره على ذلك.