تسلية النبي صلى الله عليه وسلم وتأصيل السنّة التاريخية في صراع الأمم مع التوحيد؛ حيث يخبر سبحانه أن ضلال قريش ومشركي العرب ليس بدعاً في التاريخ الإنساني، بل قد ضل قبلهم معظم وأكثر الأمم السابقة والقرون الغابرة في غياهب الوثنية والشرك وتقليد الأسلاف.
قال الطبري في «جامع البيان» (21/ 81)جامع البيانالطبري٢١/٨١: «يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم مسلياً له عما يلقى من قومه: ولقد ضل قبل قومك يا محمد أكثر الأمم المتقدمين عن طريق الهدى، فكفروا بربهم وعبدوا الأوثان، فلا يحزنك تكذيب هؤلاء؛ فإن سنتهم في الكفر كسنة أسلافهم».
وقال قتادة: «عزى الله نبيه وأخبره أن عامة الأمم السابقة كذبت رسلها وضلوا عن الحق».
وقال ابن كثير: «أي ولقد ضل في القرون السالفة أكثرهم وعبدوا مع الله غيره، كما قال: {وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ}».
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{وَلَقَدْ}: الواو استئنافية، واللام واقعة في جواب قسم مقدر، و«قد» حرف تحقيق.
{ضَلَّ}: فعل ماض مبني على الفتح. والضلال: العدول عن طريق الحق المستقيم.
{قَبْلَهُمْ}: ظرف زمان منصوب بالفتحة متعلق بضل، و«هم» مضاف إليه.
{أَكْثَرُ}: فاعل مرفوع بالضمة الظاهرة وهو مضاف.
{الْأَوَّلِينَ}: مضاف إليه مجرور بالياء لأنه جمع مذكر سالم، والمراد الأمم الخالية السابقة.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
هذا التقرير يربط بين ضلال كفار قريش في الآيات السابقة {إِنَّهُمْ أَلْفَوْا آبَاءَهُمْ ضَالِّينَ} وبين المجرى التاريخي العام للأمم؛ ليتبين للمؤمن أن الكثرة الكاثرة في التاريخ البشري غالباً ما استسلمت للضلال، مما يقطع حجة الاغترار بالكثرة.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة الاحتجاج بإجماع الأغلبية في التاريخ على الشرك أو الإلحاد: يدعي المقلد أن أغلب الأمم عاشت على هذا النهج، فكيف يكون الأكثرون على باطل؟
رد الشبهة بالمحاكمة القرآنية والمنطقية لقيمة الكثرة: قرر القرآن قاعدة حاسمة: الكثرة المجردة ليست مقياساً للحق {وَلَقَدْ ضَلَّ قَبْلَهُمْ أَكْثَرُ الْأَوَّلِينَ}؛ فالأكثرية تتبع الأهواء والتقاليد وتستثقل التكاليف، والقلة هي التي تعقل وتستقيم: {وَقَلِيلٌ مِّنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ}، فالحق يُعرف ببرهانه الذاتي لا بعدد السائرين فيه.