الامتنان بجمال السماء وتزيينها بالكواكب المضيئة اللامعة وحفظها؛ حيث يخبر سبحانه عن كمال قدرته ولطفه وإبداعه بأنه زين السماء القريبة المشاهدة لأهل الأرض بزينة باهرة من الكواكب والنجوم المتلألئة، التي تبهر الأبصار وتملأ النفوس بالبهجة والخشوع وتصلح لهداية السالكين في ظلمات البر والبحر.
قال الطبري في «جامع البيان» (21/ 10)جامع البيانالطبري٢١/١٠: «يقول تعالى ذكره: إنا زينا السماء القريبة من الأرض - وهي السماء الدنيا - بزينة؛ وهي الكواكب المضيئة التي ترى في السماء، وعن قتادة ومجاهد وابن عباس قالوا: الكواكب زينة للسماء الدنيا، وجمال للناظرين، وهداية في الظلمات».
وقرأ حمزة والكسائي وحفص وخلف {بِزِينَةٍ الْكَوَاكِبِ} بتنوين «زينةٍ» ونصب «الكواكبَ» بدلاً من زينة أو مفعولاً به للمصدر. وقرأ أبو بكر عن عاصم وحمزة في رواية بكسر التنوين وخفض «الكواكبِ» بدلاً أو عطف بيان. وقرأ الباقون من السبعة (نافع وابن كثير وأبو عمرو وابن عامر) {بِزِينَةِ الْكَوَاكِبِ} بإضافة «زينة» إلى «الكواكب» بغير تنوين.
وقال ابن كثير: «الكواكب المنيرة في السماء الدنيا زينة لها وجمالاً، ومصابيح يهتدى بها في ظلمات البر والبحر».
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{إِنَّا}: «إنّ» حرف توكيد ونصب، و«نا» اسمها في محل نصب.
{زَيَّنَّا}: فعل ماض مبني على السكون، و«نا» فاعل، والجملة خبر «إن».
{السَّمَاءَ}: مفعول به منصوب بالفتحة الظاهرة.
{الدُّنْيَا}: نعت للسماء منصوب بفتحة مقدرة على الألف للتعذر، والدنيا مؤنث الأدنى؛ أي القريبة من أهل الأرض.
{بِزِينَةٍ}: جار ومجرور متعلق بزّينا.
{الْكَوَاكِبِ}: إما مضاف إليه مجرور على قراءة الإضافة، أو بدل مجرور على قراءة التنوين والجر، أو مفعول به لـ «زينة» منصوب بالفتحة على قراءة حفص وحمزة والكسائي.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
هذا التخصيص للسماء الدنيا وزينتها يأتي بعد إطلاق ربوبية السماوات والأرض في الآية السابقة؛ لينقل العقل البشري من المفهوم الكلي المجرد إلى النظر الحسي البصري المباشر؛ فالسماء المرفوعة فوق رؤوسهم مرصعة بالكواكب الشاهدة بحكمة الصانع العظيم.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة حصر الكواكب في السماء الدنيا وظن تعارض ذلك مع علم الفلك الحديث في اتساع المجرات: كيف تكون الكواكب كلها في السماء الدنيا والعلم يثبت أبعاداً سحيقة ومجرات بالمليارات؟
رد الشبهة بالمحاكمة الفلكية واللغوية للفظ السماء الدنيا: السماء الدنيا في لغة القرآن هي كل ما يراه الإنسان ويدركه بصره وأجهزته من الفضاء المرئي المحيط بنا، فكل النجوم والمجرات والسدم المكتشفة تقع في نطاق هذا الكون المرئي (السماء الدنيا)، وما فوق ذلك من السماوات السبع هو من عوالم الغيب التي لا تدركها التلسكوبات، فتزيين هذا الفضاء الهائل بالنجوم هو الحقيقة الفلكية والجمالية المطلقة.
استعمال لفظ {زَيَّنَّا} الدال على الجمال والإتقان: لم يخلق الله السماء صامتة موحشة، بل جعلها لوحة فنية بديعة تبهر النفوس وتوقظ كوامن الشكر والتسبيح في قلوب المتفكرين.
تخصيص الوصف بـ {الدُّنْيَا}: تذكيراً للإنسان بدنوها وقربها منه ليرى آيات الله دون عناء، وتهييجاً للروح للتطلع إلى ما هو أعظم في جنات النعيم والملكوت الأعلى.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
عبادة التفكر في صفحة السماء ليلاً؛ فالمؤمن يعرج بقلبه مع النجوم متأملاً صنع الله الذي أتقن كل شيء.
تنزيه النجوم عن خرافات التنجيم والأبراج؛ فالنجوم زينة وهداية ورجوم للشياطين، وليست حاكمة على أقدار الناس وأرزاقهم.