تفصيل صفات خمر الجنة وشرابها من حيث اللون البهي والمذاق المستطاب الخارق؛ فهذه الكأس خمرها بيضاء ناصعة نقية تتلألأ في القدح، لا حمرة فيها تكدرها ولا قتامة، وهي عين اللذة وطيب المذاق لمن يشربها، تسري في البدن بالبهجة والانتعاش دون أدنى مرارة أو كراهة.
قال الطبري في «جامع البيان» (21/ 55)جامع البيانالطبري٢١/٥٥: «يقول تعالى ذكره: نعت تلك الكأس وخمرها بأنها بيضاء اللون، لذة للشاربين؛ أي لذيذة شهية لمن يشربها، ليست كخمر الدنيا القبيحة المنظر الكريهة الطعم، وعن ابن عباس وقتادة ومجاهد قالوا: خمر الجنة أشد بياضاً من اللبن وأحلى من العسل، لذيذة الطعم طيبة الرائحة».
وقال ابن كثير: «أي لونها مشرق بهي ناصع، لا كخمر الدنيا في سوادها وحمرتها وقذارتها ونتن ريحها، وهي لذة للشاربين؛ أي طعمها في غاية الطيب واللذة».
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{بَيْضَاءَ}: نعت ثانٍ لـ «كأس» مجرور بالفتحة نيابة عن الكسرة لأنه ممنوع من الصرف لألف التأنيث الممدودة. والبيضاء: ناصعة اللون المشرقة.
{لَذَّةٍ}: نعت ثالث لكأس مجرور بالكسرة الظاهرة، أو نعت لـ «بيضاء» أو مصدر نُعت به للمبالغة؛ أي ذات لذة تامة، أو هي صفة مشبهة مؤنث لذ.
{لِّلشَّارِبِينَ}: جار ومجرور متعلق بلذة أو بمحذوف نعت لها، وعلامة جره الياء لأنه جمع مذكر سالم.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
هذا النعت يكمل المشهد الجمالي للشراب؛ ففي الآية السابقة ذكر المصدر والجريان {مِّن مَّعِينٍ}، وهنا ذكر المظهر البصري الخلاب {بَيْضَاءَ}، ثم الطعم والمذاق الذوقي {لَذَّةٍ لِّلشَّارِبِينَ}، لتجتمع متعة العين بمتعة اللسان في آن واحد.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة مرارة الخمر وعفونة أصلها الطبيعي: خمر الدنيا تعتمد على تخمر السكريات وتعفنها مما يورث مذاقاً لاذعاً مراً ينفر منه الطبع ابتداءً.
رد الشبهة بالمحاكمة التكوينية لشراب الآخرة: خمر الجنة ليست نتاج عفونة كيميائية ولا تخمير بشري، بل هي خلق إلهي مبتكر أودعه الله في أنهار الجنة؛ فجاءت بيضاء ناصعة كالنور، ولذة محضة لا كراهة فيها ولا حموضة، لتتحقق اللذة المطلقة المنزهة عن كل علل المادة الأرضية.