مناقشة عقلية إلزامية لمنكري البعث وتذكيرهم بضعف أصلهم أمام عظمة المخلوقات الكونية؛ حيث يأمر الله نبيه صلى الله عليه وسلم أن يسأل هؤلاء المشركين مستفتياً ومقرعاً إياهم: هل خلقهم هم وأجسامهم الضعيفة الفانية أشد وأصعب على الله، أم خلق هذه العوالم العظيمة من الملائكة والسماوات والأرض والكواكب والشهب؟ والجواب البديهي: بل تلك المخلوقات أعظم بكثير، ثم يذكرهم بأصل خلقهم الأول المذل الضعيف؛ وهو طين لازب لزج يلتصق باليد، فالقادر على خلق الأكوان والبدء من الطين لا يعجزه إعادة الإنسان.
قال الطبري في «جامع البيان» (21/ 17)جامع البيانالطبري٢١/١٧: «يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: فاستفت هؤلاء المشركين المكذبين بالبعث من قومك؛ أي سلهم: أهم أشد خلقاً وأصعب إيجاداً أم من خلقنا من الملائكة والسماوات والأرض والبحار والجبال؟ فإنهم لا يملكون إلا الإقرار بأن خلق السماوات والأرض والملائكة أشد وأعظم، وإذا أقروا بذلك لزمهم الإقرار بالبعث؛ لأن من قدر على العظيم الهائل فهو على الضعيف أقدر، ثم أخبر عن أصل خلقه لهم فقال: {إِنَّا خَلَقْنَاهُم مِّن طِينٍ لَّازِبٍ}؛ أي طين يلتصق بعضه ببعض ويلزق باليد».
وقال مجاهد وقتادة وابن عباس: «اللازب: اللازج، الذي يلتصق باليد».
وقال ابن كثير: «استفتاء تبكيت وإلزام؛ أي سلهم هل هم أشد خلقاً أم الملائكة والسماوات والأرض؟ كما قال: {لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ}، ثم بين ضعفهم بأن أصلهم طين لازب متواضع».
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{فَاسْتَفْتِهِمْ}: الفاء فصيحة أو استئنافية، «استفت» فعل أمر مبني على حذف حرف العلة (الياء)، والفاعل مستتر تقديره أنت، و«هم» مفعول به. والاستفتاء: استعلام الرأي والمطالبة بالبيان على وجه الإلزام والتبكيت.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
هذا الاستفتاء يرتبط ترابطاً وثيقاً بالآيات العشر السابقة؛ فلما استعرض سبحانه خلق الملائكة الصافات والزاجرات، وخلق السماوات والأرض والمشارق، وزينة الكواكب والشهب الثواقب، واجه هؤلاء المنكرين للبعث بهذا السؤال المنطقي المفحم: أأنتم أشد خلقاً أم تلك الكائنات الملكوتية الهائلة التي فصّلنا خلقها للتو؟
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة استبعاد إعادة الأجساد بعد الموت والبلى: يزعم المشرك أن تحول بدنه إلى تراب يجعله غير قابل للإحياء مرة أخرى.
رد الشبهة بالمحاكمة التكوينية للمادة الأصلية: ذكرهم القرآن بكلمة {مِّن طِينٍ لَّازِبٍ}؛ إن مادتكم الأولى كانت تراباً وماءً وطبينة رخوة لاصقة لا حياة فيها ولا عظام، فحولها الله بقدرته إلى عظام ولحم وعروق وإنسان يسمع ويبصر ويجادل، فكيف يستحيل عقلاً أن يعيد تلك المادة الطينية إلى هيئتها السابقة؟ إن إعادة الشيء إلى ما كان عليه أهون في حكم العقل والمنطق من إنشائه من لا شيء.
أسلوب الاستفتاء الحجاجي {فَاسْتَفْتِهِمْ}: نقل المناظرة من التقرير الإخباري إلى مساءلة الخصم وحصاره في الزاوية العقلية الضيقة التي لا مهرب منها.
المقابلة بين العوالم الكبرى والمادة الضعيفة: التقابل بين قوله {أَم مَّنْ خَلَقْنَا} بكل عظمتها، وبين {طِينٍ لَّازِبٍ} بضعفها ومهانتها، يبرز تهافت الغرور البشري.
لفظ {لَّازِبٍ}: تصوير حسي دقيق لبداية تكوين المادة الطينية الرطبة قبل جفافها ونفخ الروح فيها.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
ترويض النفس وكسر الكبر؛ فمهما بلغ الإنسان من القوة والجمال والمال، فأصله طين لازب لزج يطؤه الناس بالأقدام.
استخدام الأدلة الكونية في حوار المشككين والملحدين؛ فالقرآن يعلمنا مقارعة الشبهات بالحقائق العلمية والمشاهدات الكونية الباهرة.