بيان وتفسير لطبيعة ذلك الرزق المعلوم وهيئته؛ فهو فواكه شتى ولذائذ فاخرة يتفكهون بها ويتلذذون، وحالهم في ذلك كله أنهم معززون مبجلون مكرمون من قِبل الملائكة الأبرار ومن رب العالمين، تخدمهم الولدان وتتلقاهم التحايا.
قال الطبري في «جامع البيان» (21/ 52)جامع البيانالطبري٢١/٥٢: «يقول تعالى ذكره: ذلك الرزق المعلوم فواكه شتى يتفكهون بها؛ من ثمار الجنة ونعيمها الطيب، وهم مكرمون؛ أي مكرمون بكل كرامة من الله، تخدمهم الملائكة الكرام، ويحل عليهم رضوان الله فلا يسخط عليهم أبداً».
وقال قتادة ومجاهد والضحاك: «{فَوَاكِهُ} أي ثمار يتلذذون بها، {وَهُم مُّكْرَمُونَ} بخدمة الولدان والملائكة، وبالكرامة من الله تعالى».
وقال ابن كثير: «فسر الرزق المعلوم بالفواكه؛ أي يتنعمون بها لا لأجل مجرد سد الجوعة بل للتفكه والتلذذ، وهم مكرمون بالنعيم والخدمة والتحية والسلام».
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{فَوَاكِهُ}: بدل من «رزق» مرفوع بالضمة الظاهرة، أو خبر لمبتدأ محذوف تقديره: هو فواكه، ولم ينون لأنه على صيغة منتهى الجموع. والفواكه: جمع فاكهة، وهي كل ثمر يؤكل تلذذاً واستطابة لا لحاجة القوت.
{وَهُم}: الواو حالية، «هم» ضمير منفصل مبني في محل رفع مبتدأ.
{مُّكْرَمُونَ}: خبر المبتدأ مرفوع بالواو لأنه جمع مذكر سالم، والجملة الاسمية في محل نصب حال من الضمير في «لهم» أو مستأنفة. واسم المفعول «مكرمون» يدل على وقوع الإكرام التام عليهم من الله وملائكته.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
هذا الإيضاح يبين كمال النعيم؛ فبعد أن أجمل في الآية السابقة {لَهُمْ رِزْقٌ مَّعْلُومٌ}، فصّل نوعه بأنه {فَوَاكِهُ} ليدل على أنه نعيم الرفاهية والترف والملاذ، ثم ثنى بذكر الجانب المعنوي الأعظم وهو {وَهُم مُّكْرَمُونَ}؛ لأن النعيم المادي لا يكتمل إلا مع التكريم والتبجيل والاحترام.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة توهم الاقتصار على اللذة الحسية في الجنة: يظن البعض أن الجنة مجرد طعام وشراب كطعام الملوك.
رد الشبهة بالمحاكمة النفسية لمفهوم الكرامة في قوله {وَهُم مُّكْرَمُونَ}: نبهت الآية على أن أعظم ما يتنعم به أهل الجنة ليس مجرد الفواكه والثمار، بل هو «التكريم المعنوي والروحي»؛ فكم من إنسان يأكل أطيب الطعام في الدنيا وهو مهان ذليل فلا يستلذ به، أما في الجنة فالفواكه مصحوبة بقمة الكرامة والرضوان والتعظيم من خالق الأكوان والملائكة الكرام.
البدل التفسيري في {فَوَاكِهُ}: للإشعار بأن طعام الجنة كله تلذذ وفكاهة ومسرة دائمة.
صيغة اسم المفعول {مُّكْرَمُونَ} وحذف الفاعل: للدلالة على عموم مصادر التكريم؛ فالله يكرمهم بالرضوان والسلام، والملائكة تكرمهم بالخدمة والتحية، والحور العين يكرمنهم بالأنس، فكل ما في الجنة مسخر لإكرامهم.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
طلب الكرامة الحقيقية عند الله؛ فالكرامة ليست بالمنصب الدنيوي ولا بالأموال، بل بالإيمان والتقوى: {إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ}.
إكرام عباد الله الصالحين في الدنيا؛ فمن اعتاد إكرام أهل الإيمان أكرمه الله غداً بين يديه.