صدور الحكم الإلهي الحاسم في شأن المتخاصمين والمتحاجين في النار؛ حيث يقرر القرآن أن جميع هؤلاء القادة والأتباع والدعاة والمستجيبين، مشتركون يوم القيامة في نكال العذاب وسعير الجحيم، لا يُعفى منهم أحد، ولا يُحمل ذنب أحد على غيره بل يذوق الجميع حر الحريق.
قال الطبري في «جامع البيان» (21/ 44)جامع البيانالطبري٢١/٤٤: «يقول تعالى ذكره: فإن هؤلاء المتبوعين والأتباع جميعاً يوم القيامة مشتركون في عذاب الله، يعذب الله كلاً منهم بقدر جرمه واستحقاقه، ولا ينجو منهم أحد، كما اشتركوا في الدنيا في الكفر بالله والغواية».
وقال قتادة: «اشتركوا في الشرك في الدنيا، فاشتركوا في العذاب في الآخرة».
وقال ابن كثير: «أي الجميع في النار كل بحسبه، كما قال تعالى: {قَالَ لِكُلٍّ ضِعْفٌ وَلَٰكِن لَّا تَعْلَمُونَ}، فالعذاب يعمهم جميعاً لاشتراكهم في سببه».
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{فَإِنَّهُمْ}: الفاء استئنافية أو فصيحة مفرعة على الحوار السابق، «إنّ» حرف توكيد ونصب، و«هم» اسمها.
{يَوْمَئِذٍ}: ظرف زمان مركب مبني على الفتح في محل نصب متعلق بمشتركون، وإذ مضاف إليه نُوّن تنوين عوض عن جملة محذوفة تقديرها: يوم إذ تساؤلوا وتحاجوا.
{فِي الْعَذَابِ}: جار ومجرور متعلق بمشتركون.
{مُشْتَرِكُونَ}: خبر «إنّ» مرفوع بالواو لأنه جمع مذكر سالم. والاشتراك: افتعال من الشركة؛ وهو حيازة الشيء واقتسامه بين متعددين.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
هذا التعقيب الإلهي ينهي الجدال الحجاجي التافه الذي خاضه الفريقان؛ ليعلموا أن تلاومهم لن يفيدهم شيئاً ولن يخفف عن أحدهم وطأة النار، بل هو اشتراك حتمي في العقوبة كما اشتركوا في المعصية.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة توهم تخفيف العذاب بالمشاركة واقتسام الآلام مع الرفاق (التأسي بالمصيبة كما في الدنيا): في الدنيا يتسلى المصاب برؤية غيره مصاباً معه، فهل ينفعهم ذلك في جهنم؟
رد الشبهة بالمحاكمة العقدية والنفسية لعذاب جهنم: بين القرآن في موضع آخر أن هذا التأسي منعدم في الآخرة: {وَلَن يَنفَعَكُمُ الْيَوْمَ إِذ ظَّلَمْتُمْ أَنَّكُمْ فِي الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ}؛ لأن هول العذاب وعظمه يفوق طاقة التحمل، فالمشاركة لا تزيدهم إلا حسرة وندامة ورؤية أقرانهم في دركات السعير لا تفيدهم مثقال ذرة من التخفيف.