بيان المباينة الهائلة بين الموقف النبوي المؤمن وموقف المشركين المكذبين؛ فبينما يعجب النبي صلى الله عليه وسلم (أو يعجب الله على قراءة الضم) من عظيم قدرة الله وإنكاره لهؤلاء المعاندين للبعث الواضح، يقابل هؤلاء المشركون تلك البراهين الساطعة بالسخرية والاستهزاء والضحك الفارغ.
قرأ الكوفيون (عاصم وحمزة والكسائي وخلف) {بَلْ عَجِبْتُ} بضم التاء، فتكون تاء المتكلم منسوبة إلى الله تعالى إخباراً عن عجبه، أو للنبي صلى الله عليه وسلم، وقرأ باقي السبعة (نافع وابن كثير وأبو عمرو وابن عامر) {بَلْ عَجِبْتَ} بفتح التاء خطاباً لرسول الله صلى الله عليه وسلم.
قال الطبري في «جامع البيان» (21/ 19)جامع البيانالطبري٢١/١٩: «وقد قرئ ذلك على وجهين: أحدهما بضم التاء {بَلْ عَجِبْتُ}، ومعناه: بل عظُم عندي تكذيبهم وإنكارهم للبعث مع وضوح آياتي، والعجب من الله ليس كعجب الآدميين الذي ينشأ عن جهل بالمبدوء، بل هو استعظام للجرم ومقت له. والوجه الثاني بفتح التاء {بَلْ عَجِبْتَ}، ومعناه: بل عجبت أنت يا محمد من تكذيبهم للبعث وعنادهم للحق وهم يسخرون من تعجبك ودعوتك إياهم».
ونقل ابن جرير عن ابن مسعود وشريح والحسن البصري تصويب القراءتين، وقال ابن عباس: «عجب النبي صلى الله عليه وسلم من إنكارهم للبعث مع وضوح الدلائل، وهم يسخرون ويستهزئون بالحق».
وقال ابن كثير: «على قراءة الفتح: تعجب يا محمد من تكذيب هؤلاء وهم يستهزئون بما جئتهم به، وعلى قراءة الضم: إثبات صفة العجب لله تعالى على ما يليق بجلاله وكماله بلا تمثيل ولا تكييف».
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{بَلْ}: حرف إضراب وانتقال يفيد الإضراب الإبطالي أو الانتقالي.
{عَجِبْتَ}: فعل ماض مبني على السكون، والتاء ضمير متصل فاعل مبني على الفتح في قراءة الجمهور خطاباً للنبي، أو مبني على الضم {عَجِبْتُ} في قراءة الكوفيين. والعجب: استعظام الشيء لخروجه عن نظائره ومألوفه.
{وَيَسْخَرُونَ}: الواو حالية أو عاطفة، «يسخرون» فعل مضارع مرفوع بثبوت النون والواو فاعل، والجملة في محل نصب حال أو معطوفة؛ أي يسخرون من الحق ومن الإنذار.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
هذا التقابل يكشف المرض النفسي المتجذر في قلوب المشركين؛ فبعد أن بسط الأدلة العقلية القاطعة في الآيات السابقة، جاء الإضراب بـ {بَلْ} ليصور المفارقة العجيبة: العاقل يتعجب من جرأتهم وإنكارهم، وهم في غيهم يسخرون مستخفين بالوعيد.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة تأويل صفة العجب لله تعالى عند المعتزلة ومن وافقهم: زعم المؤولة أن العجب يستلزم الجهل المسبق بالأمر، والله منزه عن الجهل، فأولوا القراءة بالضم.
رد الشبهة بالمحاكمة العقدية لأهل السنة والجماعة: مذهب السلف وأئمة السنة إمرار الآية كما جاءت بإثبات صفة العجب لله تعالى على الوجه اللائق بكماله وجلاله، فعجب الله ليس ناشئاً عن خفاء سبب أو مباغتة جهل كما هو في البشر، بل هو عجب استعظام لمروق العبد وتمرده وخروجه عن مقتضى الفطرة مع وضوح الحجة، أو عجب رضى ومحبة كعجبه من رجلين يقتل أحدهما الآخر يدخلان الجنة، فصفات الله تليق به: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ۖ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ}.
الإيجاز البليغ في تركيب الجملة {بَلْ عَجِبْتَ وَيَسْخَرُونَ}: أربع كلمات تختزل الصراع الأزلي بين مشاعر أهل الإيمان الممتلئة بالإجلال والتعجب من عظمة الله، وبين مشاعر أهل الباطل اللاهية الساخرة المستهزئة.
التعبير بالمضارع في {يَسْخَرُونَ}: للدلالة على تجدد سخريتهم واستمرارهم عليها ديدناً لا يفارق مجالسهم.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
تثبيت الداعية أمام سخرية المبطلين؛ فالاستهزاء سلاح العاجز المفلس من الدليل، والأنبياء قبله قوبلوا بالسخرية فما وهنوا وما استكانوا.
التعجب المشروع من غفلة الناس عن الآخرة؛ فالمؤمن يعجب كيف ينام إنسان عن الصلاة أو يبارز ربه بالمعاصي والموت يتربص به في كل لحظة.