الجواب الفوري العنيف من القادة والمتبوعين متبرئين من أتباعهم ومسقطين حجتهم؛ حيث يرد الرؤساء والكبراء بصلف وقسوة: ليس الأمر كما تزعمون أننا أكرهناكم، بل الحقيقة المرة أن قلوبكم كانت في الأصل خالية من الإيمان، مستعدة للكفر، راغبة في الضلالة، فوافق هوانا هواكم وسرتم معنا باختياركم.
قال الطبري في «جامع البيان» (21/ 39)جامع البيانالطبري٢١/٣٩: «يقول تعالى ذكره: قال المتبوعون والرؤساء للأتباع مجيبين لهم: ما الأمر كما تقولون من أنا أكرهناكم، بل لم تكونوا في أنفسكم مصدقين بالله ولا موقنين بالبعث، بل كان في قلوبكم الشك والنفاق والكفر، فاخترتم ما نحن عليه برضاكم ورغبتكم».
وقال قتادة ومجاهد: «قال الرؤساء للضعفاء: بل لم تكونوا مؤمنين؛ أي لم نكرهكم بل كنتم كفاراً باختياركم».
وقال ابن كثير: «تبرأ القادة من الأتباع وقالوا: لم نكرهكم بل كانت قلوبكم منكرة للإيمان قابلة للكفر والطغيان».
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{قَالُوا}: فعل ماض مبني على الضم، والواو فاعل يعود على المتبوعين والكبراء.
{مُؤْمِنِينَ}: خبر «تكونوا» منصوب بالياء لأنه جمع مذكر سالم، وجملة الإضراب مقول القول في محل نصب.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
هذا الرد الصارم يسد الباب فوراً أمام تبريرات الأتباع؛ فاستخدم المتبوعون حرف الإضراب {بَل} لنسف دعوى الإكراه من أساسها، ونقلوا المعركة من السلوك الخارجي إلى النية الباطنة وقابلية الكفر الكامنة في نفوس الأتباع.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة الاحتجاج بالإكراه الاجتماعي أو التبعية للكبراء للتنصل من عذاب الكفر: يزعم التابع أنه كان مكرهاً بحكم المجتمع والوظيفة والقرابة.
رد الشبهة بالمحاكمة العقدية لأصل الرضى والاختيار: أسقط القرآن هذا العذر؛ فالإكراه الملجئ الذي يعذر به المرء هو ما يعجز معه عن الإيمان قلباً وقولاً، أما الأتباع فقد انشرحت صدورهم بالكفر وعاشوا يدافعون عن الباطل ويسخرون من الأنبياء، فقول الرؤساء {بَل لَّمْ تَكُونُوا مُؤْمِنِينَ} هو تقرير للحقيقة النفسية: أن قلوبهم لم تكن ترغب في الإيمان أصلاً.