تصوير وجبة الشراب المحرقة التي تعقب أكل الزقوم؛ حيث يخبر سبحانه أنهم بعد أن يملؤوا بطونهم من ثمار الزقوم الحارة المرة، يشتد بهم العطش اللاهب كالإبل العطاش، فيسقون شراباً مخلوطاً مشوباً بماء حميم قد بلغ الغاية القصوى في الحرارة والغليان، فيشوي وجوههم ويقطع أمعاءهم.
قال الطبري في «جامع البيان» (21/ 77)جامع البيانالطبري٢١/٧٧: «يقول تعالى ذكره: ثم إن لهؤلاء المشركين على أكلهم من شجرة الزقوم، لشوباً من حميم؛ والشوب في كلام العرب: الخلط والمزاج، يقال: شبت هذا بهذا إذا خلطته به، والحميم: الماء الحار الذي قد انتهى حره وغليانه، يخلط لهم مع الزقوم ليشربوه فيقطع أمعاءهم في بطونهم، وعن ابن عباس ومجاهد وقتادة والضحاك قالوا: الشوب: المزاج والخلط من الحميم المغلي».
وقال ابن كثير: «أي يخلط لهم بعد أكل الزقوم شراب من ماء حميم حار صديدي كعكر الزيت، فيشربونه فيحرق بطونهم وأمعاءهم، كما قال: {وَسُقُوا مَاءً حَمِيمًا فَقَطَّعَ أَمْعَاءَهُمْ}».
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{ثُمَّ}: حرف عطف يفيد الترتيب مع التراخي في الزمان أو الرتبة وتصعيد العذاب.
{إِنَّ}: حرف توكيد ونصب ينصب الاسم ويرفع الخبر.
{لَهُمْ}: جار ومجرور متعلق بمحذوف خبر «إنّ» مقدم.
{عَلَيْهَا}: جار ومجرور متعلق بمحذوف حال من شوباً، والضمير يعود على شجرة الزقوم أو الأكلة.
{مِّنْ حَمِيمٍ}: جار ومجرور متعلق بمحذوف نعت لـ «شوباً». والحميم: الماء البالغ أقصى درجات الغليان.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
هذا الترتيب بـ {ثُمَّ} يعكس تتابع ألوان العذاب بحسب الطبيعة البشرية؛ فالإنسان إذا امتلأ بطنه بطعام حار جاف مر أحس بعطش كاسر يدفعه لطلب الشراب بأي ثمن، فجاء ذكر الحميم بعد الزقوم ليكتمل عذاب الطعام بعذاب الشراب في أشنع صورهما.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة التناقض بين طلبهم للشراب وكونه حميماً يقطع الأمعاء: كيف يقبل الإنسان على شرب ماء يغلي ويقطع أمعاءه؟
رد الشبهة بالمحاكمة الحسية لشدة العطش القاهر في جهنم: العطش المسلط عليهم في النار يفوق الوصف؛ فيجعلهم كالهيم (الإبل المصابة بداء العطش التي تشرب ولا تروى)، فمن شدة العطش يلقي بنفسه على الحميم ويشربه رغماً عنه وهو يرى دخانه وغليانه: {وَإِن يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ ۚ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءَتْ مُرْتَفَقًا}.