التوجيه الإلهي للنظر والاعتبار في مصارع المكذبين ونهايتهم المخزية؛ حيث يأمر الله نبيه وكل متأمل أن يسير في الأرض أو ينظر في أخبار التاريخ ليرى كيف كانت نهاية أولئك الأقوام الذين أتاهم الإنذار فكذبوا؛ كيف دمرهم الله بالصيحة والطوفان والخسف والريح الصرصر العاتية، فبادوا وصاروا أحاديث وعبرة للعالمين.
قال الطبري في «جامع البيان» (21/ 83)جامع البيانالطبري٢١/٨٣: «يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: فانظر يا محمد بعين قلبك وفكرتك، وتدبر كيف كان عاقبة أولئك الذين أنذرهم رسلنا بأسنا فكذبوا؛ ألم نهلكهم ونستأصلهم بالعذاب، ونجعلهم عبرة للمعتبرين؟ فكذلك نفعل بمكذبيك إن أصروا على كفرهم».
وقال قتادة ومجاهد: «عاقبة المنذرين: أي الهلاك والدمار الذي حل بالمكذبين».
وقال ابن كثير: «أي فانظر يا محمد كيف كانت نهاية من كذب الرسل؛ كيف أهلكهم الله ودمّر عليهم، وللكافرين أمثالها».
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{فَانظُرْ}: الفاء فصيحة أو عاطفة مفرعة على ما تقدم، «انظر» فعل أمر مبني على السكون، والفاعل مستتر وجوباً تقديره أنت. والنظر هنا قلبي فكري اعتباري.
{كَيْفَ}: اسم استفهام مبني على الفتح في محل نصب خبر «كان» مقدم.
{كَانَ}: فعل ماض ناقص مبني على الفتح.
{عَاقِبَةُ}: اسم «كان» مؤخر مرفوع بالضمة الظاهرة وهو مضاف. والعاقبة: مآل الأمر ونهايته.
{الْمُنذَرِينَ}: مضاف إليه مجرور بالياء لأنه جمع مذكر سالم، واسم المفعول «المنذرين» بفتح الذال؛ أي الذين وُجه إليهم الإنذار فقابلوه بالتكذيب. وجملة الاستفهام معلقة لفعل النظر في محل نصب سادة مسد مفعوليه.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
هذا التعقيب يرتب النتيجة المحتومة على الآية السابقة؛ فبعد {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا فِيهِم مُّنذِرِينَ}، قال فوراً: {فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُنذَرِينَ}؛ ليربط بين السبب (التكذيب بعد الإنذار) والنتيجة (الدمار والهلاك)، ويجعل مصارع الغابرين درساً حياً لحاضر قريش ومستقبل البشرية.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة اغترار الحضارات بقوتها وعمرانها وظنها أنها في مأمن من السنن التاريخية: تظن الدول المستكبرة أنها بمنأى عن السقوط.
رد الشبهة بالمحاكمة الأثرية والتاريخية لسنن السقوط: أمر القرآن بـ {فَانظُرْ}؛ فالآثار المشاهدة لعاد وثمود وقوم لوط وبقايا الفراعنة شواهد قائمة على أن الطغيان يولد الهلاك حتماً، وأن التقدم المادي لا يحمي أمة فجرت واستكبرت عن أمر ربها، فسنن التاريخ لا تحابي أحداً.