صدمة المكذبين واعترافهم المذل بالهلاك عند معاينة الحقيقة التي طالما أنكروها وسخروا منها؛ حيث يصرخ المشركون عند انبعاثهم من القبور متفجعين منادين على أنفسهم بالهلاك والدمار: يا هلاكنا ويا ثبورنا احضر فهذا وقتك، هذا هو يوم الجزاء والحساب والقضاء العادل الذي كنا نكذب به في الدنيا.
قال الطبري في «جامع البيان» (21/ 28)جامع البيانالطبري٢١/٢٨: «يقول تعالى ذكره: وقال هؤلاء المشركون المكذبون بالبعث لما عاينوا أهوال القيامة وخرجوا من قبورهم: يا ويلنا؛ يدعون بالهلاك على أنفسهم لما أيقنوا بالعذاب، هذا يوم الدين؛ أي هذا يوم الحساب والجزاء الذي يجازي الله فيه العباد بأعمالهم».
وقال قتادة ومجاهد: «{يَوْمُ الدِّينِ}؛ أي يوم الحساب والقضاء بين العباد».
وقال ابن كثير: «يقولون ذلك معترفين على أنفسهم بالخزي والندامة حين لا ينفع الندم، قد أقروا بيوم الدين الذي كانوا به يكذبون».
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{وَقَالُوا}: الواو عاطفة، «قالوا» فعل ماض مبني على الضم، والواو فاعل.
{يَا وَيْلَنَا}: «يا» حرف نداء، «ويلنا» منادى مضاف منصوب بالفتحة الظاهرة وهو مصدر لا فعل له من لفظه، و«نا» مضاف إليه. والدعاء بالويل لطلب الهلاك استعظاماً للمصيبة الحاضرة.
{هَٰذَا}: الهاء للتنبيه، و«ذا» اسم إشارة مبني على السكون في محل رفع مبتدأ.
{يَوْمُ}: خبر المبتدأ مرفوع بالضمة الظاهرة وهو مضاف.
{الدِّينِ}: مضاف إليه مجرور بالكسرة الظاهرة. والدين هنا: الجزاء والحساب، كما في قوله: كما تدين تدان، ومملك يوم الدين. وجملة مقول القول في محل نصب.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
هذا الاعتراف المخزي يقابل مباشرة استهزاءهم وسخريتهم في الآية 16: {أَإِذَا مِتْنَا... أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ}؛ فالسؤال الاستنكاري الساخر في دار الدنيا انقلب إلى بكاء وعويل واعتراف قهري في عرصات الآخرة، ليتجلى كمال العدل الإلهي في إذلال المعاندين.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة تأخر الإقرار بالحق حتى فوات الأوان: لماذا يعترفون الآن ولا ينفعهم اعترافهم؟
رد الشبهة بالمحاكمة الشرعية لدار التكليف ودار الجزاء: التكليف الإلهي والاختبار البشري قائم على الإيمان بالغيب في دار الدنيا مع توافر الأدلة العقلية والرسالية؛ فمن آمن بالغيب نجا وفاز، أما الإقرار بعد المعاينة والبعث {هَٰذَا يَوْمُ الدِّينِ} فهو إيمان اضطرار لا قيمة له ولا وزن: {فَلَمْ يَكُ يَنفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا}.
النداء المجازي للويل {يَا وَيْلَنَا}: تشخيص للهلاك كأنه شخص عاقل يُنادى ليحضر؛ تعبيراً عن بلوغ الرعب واليأس غايته القصوى.
الإشارة بـ {هَٰذَا} للقريب المشهود الحاضر: إقرار حسي قاطع بالواقع المفزع الذي صاروا يلمسونه ويعاينونه بعد أن كان عندهم في الدنيا أسطورة وسحراً مستمراً.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
الاعتراف بالحق اليوم قبل فوات الأوان؛ فالعاقل من يبادر بالإنابة والتوبة والاستعداد ليوم الدين وهو في دار المهلة والعافية.
تذكر اسم «يوم الدين» لمراقبة الأعمال ومحاسبة النفس؛ فإن الدين هو الجزاء المحتوم: فمن يعمل مثقال ذرة خيراً يره، ومن يعمل مثقال ذرة شراً يره.