صدور الأمر القضائي الإلهي للملائكة الكرام بسوق الظالمين وأقرانهم ومعبوداتهم الباطلة إلى موقف المحاكمة والحساب؛ حيث يُؤمر الزبانية بجمع كل من ظلم نفسه بالشرك والمعاصي، وحشر نظرائهم وقرنائهم وأشباههم من أهل الكفر والفسوق، وحشر ما كانوا يعبدونه من دون الله من الأصنام والطواغيت.
قال الطبري في «جامع البيان» (21/ 30)جامع البيانالطبري٢١/٣٠: «يقول تعالى ذكره: ويقال للملائكة: اجمعوا الذين كفروا بالله وظلموا أنفسهم بالشرك، وأزواجهم؛ اختلف أهل التأويل في معنى أزواجهم: فقال عمر بن الخطاب وابن عباس ومجاهد وقتادة وسعيد بن جبير والسدي: أزواجهم؛ أي أشياعهم وأمثالهم ونظراؤهم من أهل الكفر؛ فيُحشر الزاني مع الزاني، وشارب الخمر مع شارب الخمر، وأهل الكفر مع أهل الكفر، وقيل: أزواجهم نساؤهم الكافرات اللاتي كن على دينهم، والأول أصح وأشهر في لغة القرآن، وما كانوا يعبدون؛ أي من الأصنام والأوثان والطواغيت».
وروى الحاكم وصححه، والبيهقي في «شعب الإيمان» عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه خطب فقال: «{احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ} قال: نظراءهم وأشباههم في العمل».
وقال ابن كثير: «أمر من الله للملائكة يوم القيامة بجمع الكفار وقرنائهم وأشباههم من الظلمة، وكل صنف مع صنفه».
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{احْشُرُوا}: فعل أمر مبني على حذف النون، والواو ضمير متصل فاعل (الخطاب للملائكة الموكلين بالسوق والحشر). والحشر: جمع الناس وسوقهم مقهورين إلى موضع واحد.
{الَّذِينَ}: اسم موصول مبني على الفتح في محل نصب مفعول به لـ «احشروا».
{ظَلَمُوا}: فعل ماض مبني على الضم، والواو فاعل، والجملة صلة الموصول لا محل لها من الإعراب.
{وَأَزْوَاجَهُمْ}: الواو عاطفة، «أزواجهم» معطوف على الاسم الموصول منصوب بالفتحة، و«هم» مضاف إليه. والأزواج هنا: الأشباه والنظراء والأقران في الكفر والمعصية، أو الزوجات الكافرات.
{وَمَا}: الواو عاطفة، «ما» اسم موصول معطوف في محل نصب.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
هذا الأمر الإلهي {احْشُرُوا} هو بداية الإجراءات التنفيذية الصارمة بعد إعلان يوم الفصل في الآية السابقة؛ فبدأ بجمع الخصوم والمذنبين وأعوانهم ومعبوداتهم الباطلة في صعيد واحد، تمهيداً لمحاكمتهم وإهانتهم.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة توهم حشر الزوجات المؤمنات مع أزواجهن الكفار أو العكس: هل تُحشر المرأة الصالحة مع زوجها الكافر إن أريد بالأزواج الحلائل؟
رد الشبهة بالمحاكمة التفسيرية والعقدية المعتمدة: نبه أئمة التفسير والسلف كعمر بن الخطاب وابن عباس على أن الأزواج في هذه الآية هم «النظراء والأشباه في العمل والمعتقد» لا مجرد عقود النكاح الدنيوية؛ فالمرء يحشر مع من شاكله في الكفر أو الفسق، ولو أريد به النساء فإنما تُحشر الزوجة الكافرة مع زوجها الكافر لاشتراكهما في الكفر، أما المؤمنة فتفارق زوجها الكافر تماماً وتنجو بإيمانها، كما نجت امرأة فرعون وهلك فرعون: {وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ}.
إطلاق وصف {ظَلَمُوا}: استغراقاً لأعظم الظلم وهو الشرك بالله: {إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ}، ولكل مظلمة اعتدوا بها على العباد.
جمع العابدين والمعبودات {وَمَا كَانُوا يَعْبُدُونَ}: لزيادة حسرتهم وخزيهم؛ حين يرون أصنامهم وأوثانهم حطباً معهم في جهنم، لا تنفعهم ولا تدفع عنهم مثقال ذرة من لهب.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
خطورة الصحبة والقرناء؛ فالمرء يُحشر يوم القيامة مع أشباهه ونظرائه ومن أحبهم ورضي بعملهم: «المرء مع من أحب».
الحذر من سائر أنواع الظلم؛ فالظلم ظلمات يوم القيامة، وسيقف الظلمة مغلولين مقهورين في ذلك اليوم الفاصل.