استعراض نعيم الأزواج والحور العين وأخلاقهن الرفيعة الفائقة؛ حيث يخبر سبحانه أن لأهل الجنة في تلك المجالس أزواجاً وحوراً عفيفات، قصرن أبصارهن على أزواجهن محبة وعشقاً فلا ينظرن إلى غيرهم ولا يبتغين بدلاً منهم، وهن حسان الأعين واسعاتها في جمال وبهاء.
قال الطبري في «جامع البيان» (21/ 58)جامع البيانالطبري٢١/٥٨: «يقول تعالى ذكره: وعند هؤلاء المخلصين في الجنة أزواج قاصرات الطرف؛ قصرن أبصارهن على أزواجهن فلا يطمحن إلى غيرهم، ولا يردن سواهم، قد رضين بهم ورضي بهم أزواجهن، عِين؛ جمع عيناء، وهي الواسعة العين في جمال وحسن وبهاء وسواد في بياض».
وقال ابن عباس ومجاهد وقتادة والضحاك: «{قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ}؛ أي عفيفات لا ينظرن إلى غير أزواجهن، {عِينٌ} حسان الأعين واسعاتها نجلات».
وقال ابن كثير: «قصرن طرفهن وعفتهن على أزواجهن، فلا ينظرن إلى غيرهم، وعين حسان الأعين واسعاتها في كمال الملاحة والجمال».
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{قَاصِرَاتُ}: مبتدأ مؤخر مرفوع بالضمة الظاهرة وهو اسم فاعل مضاف لمفعوله. وقاصرات: ممسكات وكافّات، وقصر الطرف: منعه من النظر إلى غير الزوج حياءً وعفة ومحبة.
{الطَّرْفِ}: مضاف إليه مجرور بالكسرة الظاهرة. والطرف: البصر أو تحريك الجفن.
{عِينٌ}: نعت لقاصرات الطرف مرفوع بالضمة الظاهرة. وهو جمع عيناء (مؤنث أعين)؛ وهي المرأة العظيمة العينين الحوراوين حسانهما.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
هذا الانتقال يتوج نعيم المجالس والأشربة بالنعيم العاطفي والأسري والأنس الحقيقي؛ فبعد أن فرغ من ذكر الطعام والشراب والسرر، ذكر الزوجات الصالحات الحور العين؛ لتكتمل أركان النعيم الثلاثة للإنسان: المقر الهنيء، والرزق الرغيد، والزوجة الصالحة الودود.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة توهم حصر جمال الحور في الشكل الظاهري المجرد: قد يظن البعض أن الوصف مادي بحت يتجاهل الأخلاق.
رد الشبهة بالمحاكمة الأخلاقية للفظ {قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ}: بدأ القرآن بالجمال الأخلاقي والنفسي العفيف قبل الجمال الحسي؛ فقدم {قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ} وهي قمة العفة والوفاء والحياء وقصر المحبة على الزوج، ثم أتبعها بـ {عِينٌ} وهو جمال العينين؛ ليعلم أن أعظم ما يبهج قلب الرجل ليست الملاحة العارية، بل العفة والحياء والحب المتبادل والوفاء المطلق.