استيقاف رهيب ومفاجئ للمجرمين وهم في طريقهم وسوقهم إلى الجحيم؛ حيث يصدر الأمر الإلهي القاطع للملائكة الزبانية: احبسوهم واقطعوا مسيرهم ولا تدعوهم يمرون، فإنهم موقوفون للمساءلة والمحاسبة الصارمة عن أعمالهم وجرائمهم وعقائدهم، وسؤالهم عن كل كلمة وظلم اقترفوه في دار التكليف.
قال الطبري في «جامع البيان» (21/ 33)جامع البيانالطبري٢١/٣٣: «يقول تعالى ذكره: ويقال للملائكة أيضاً: احبسوهم في عرصات القيامة ووقفوهم ولا تجوزوا بهم إلى النار بعد، إنهم مسئولون عما عملوا في الدنيا واقترفوا من الآثام والشرك، وعن ابن مسعود وابن عباس ومجاهد وقتادة قالوا: احبسوهم إنهم مسئولون عن أعمالهم وأقوالهم وما كتموا وما أعلنوا، وعن كلمة لا إله إلا الله هل قالوها ووفوا بحقها؟».
وروى الترمذي (حديث 2417) عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا تزول قدما ابن آدم يوم القيامة من عند ربه حتى يُسأل عن خمس: عن عمره فيم أفناه؟ وعن شبابه فيم أبلاه؟ وعن ماله من أين اكتسبه وفيم أنفقه؟ وماذا عمل فيما علم؟».
وقال ابن كثير: «أي احبسوهم حتى يُسألوا عن أعمالهم وأقوالهم التي صدرت عنهم في دار الدنيا».
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{وَقِفُوهُمْ}: الواو عاطفة، «قِفوا» فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعل، و«هم» ضمير متصل مبني في محل نصب مفعول به. ووقف المتعدي: حبسه ومنعه من المضي.
{إِنَّهُم}: «إنّ» حرف توكيد ونصب، و«هم» اسمها.
{مَّسْئُولُونَ}: خبر «إنّ» مرفوع بالواو لأنه جمع مذكر سالم، وجملة {إِنَّهُم مَّسْئُولُونَ} تعليلية للأمر بالوقف لا محل لها من الإعراب. والمسؤول: اسم مفعول من سأل؛ أي يُطلب منهم الجواب والحساب.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
هذا الاستيقاف المفاجئ يقطع أنفاس المجرمين؛ فبينما هم يساقون إلى صراط الجحيم، جاء الأمر {وَقِفُوهُمْ} ليحبسهم في قمة الرعب، لا لنجاتهم، بل لتسجيل الإدانة القضائية وفضح مخازيهم قبل إلقائهم في النار.
التذييل بجملة {إِنَّهُم مَّسْئُولُونَ} يبين سبب الحبس والوقف، وهو إقامة الحجة التامة وإظهار عدالة القضاء الإلهي.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة توهم التعارض بين قوله {إِنَّهُم مَّسْئُولُونَ} وقوله {فَيَوْمَئِذٍ لَّا يُسْأَلُ عَن ذَنبِهِ إِنسٌ وَلَا جَانٌّ}: كيف يثبت السؤال هنا وينفى في سورة الرحمن؟
رد الشبهة بالمحاكمة التفسيرية للجمع بين مواقف القيامة المتعددة: هذا السؤال المنفي في موضع والمثبت في موضع يرجع لأمرين بينهما أئمة التحقيق: الأول: تنوع مواقف القيامة؛ فيوم القيامة خمسون ألف سنة فيه مواقف ومحطات شتى؛ ففي موطن يسألون سؤال توبيخ وتقريع وتبكيت، وفي موطن آخر يُختم على أفواههم وتنطق جوارحهم فلا يسألون سؤال استعلام؛ لأن الله أعلم بذنوبهم منهم وسيماتهم بادية في وجوههم: {يُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ بِسِيمَاهُمْ}. الثاني: نفي سؤال الاستعلام (لأن الله لا يخفى عليه شيء) وإثبات سؤال التقرير والتبكيت (لإلزامهم بالحجة وفضحهم)، فلا تعارض إطلاقاً بين آيات القرآن العظيم.
الفجائية والقطع في {وَقِفُوهُمْ}: أمر قاطع يوقف حركة الخلائق في لحظة ترقب مهيبة تحبس الأنفاس.
التنكير والإطلاق في السؤال {مَّسْئُولُونَ}: ترك المسؤول عنه مبهماً ليعم كل صغيرة وكبيرة؛ عن التوحيد، عن النعم، عن الدماء، عن الأعراض، عن الأموال، عن الشباب، فلا يغادر الحساب نقداً ولا فتيلًا.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
محاسبة النفس في الدنيا قبل أن يقال للملائكة: {وَقِفُوهُمْ ۖ إِنَّهُم مَّسْئُولُونَ}؛ كما قال عمر الفاروق رضي الله عنه: «حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا، وزنوا أعمالكم قبل أن توزنوا».
إعداد الجواب الصادق للسؤال في المحشر؛ فالسؤال حتمي ومسؤوليتك الفردية لا يتحملها عنك أحد.