استكمال مشهد طرد الشياطين ومصيرهم الأخروي الأليم؛ فالقذف بالشهب إنما هو لطرد الشياطين وإبعادهم وإهانتهم في الدنيا، ولهم فوق هذا الخزي الحسي في الدنيا عذاب دائم مقيم ومؤلم في نار جهنم لا ينقطع ولا يفتر عنهم.
قال الطبري في «جامع البيان» (21/ 15)جامع البيانالطبري٢١/١٥: «يقول تعالى ذكره: يقذفون دحوراً؛ أي طرداً وإبعاداً لهم عن استراق السمع، والدحور في كلام العرب: الطرد والإبعاد، يقال: دحرته فأنا أدحره دحوراً إذا طردته ونحيته، ولهم في الآخرة مع هذا الرجم والطرد عذاب واصب؛ أي دائم لازم ثابت لا يزول ولا ينقطع».
ونقل ابن جرير عن مجاهد وقتادة وابن عباس قالوا: «{دُحُورًا} طرداً ومخزاة، {وَاصِبٌ} أي دائم موجع».
وقال ابن كثير: «{دُحُورًا} أي يدحرون ويرجمون فلا يصلون إلى ما يريدون، {وَلَهُمْ عَذَابٌ وَاصِبٌ} أي دائم متصل لا ينقطع، كما قال: {وَأَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابَ السَّعِيرِ}».
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{دُحُورًا}: مفعول لأجله منصوب بالفتحة الظاهرة؛ أي يقذفون لأجل طردهم وإبعادهم، أو مفعول مطلق لفعل محذوف تقديره: يدحرون دحوراً، أو مصدر في موضع الحال من الواو في يقذفون؛ أي مدحورين مطرودين. والدحور: الطرد والإبعاد بإهانة وخزي.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
هذا التقسيم يجمع بين عقوبتي الشياطين؛ العقوبة العاجلة في الدنيا بالرجم والدحور والحرمان من السمع {دُحُورًا}، والعقوبة الآجلة في الآخرة بالعذاب الدائم في السعير {وَلَهُمْ عَذَابٌ وَاصِبٌ}، ليعلم المتصلون بالشياطين من السحرة والمنجمين أن أولياءهم في غاية الخسران في الدارين.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة توهم فناء الشياطين بالشهاب وسقوط عذاب الآخرة عنهم: قد يتوهم البعض أن الشيطان إذا أحرقه الشهاب في الفضاء مات وانتهى أمره، فكيف يكون له عذاب واصب في الآخرة؟
رد الشبهة بالمحاكمة العقدية لطبيعة الرجم والخلود الجزائي: الشهاب قد يحرق الشيطان إحراقاً يفسد جسده أو يخبله ويطرده دون إفناء تام لذاته حتى يحشر يوم القيامة، أو أن الرجم يصيب المارد في الدنيا جزاء استراقه، والعذاب الواصب مقرر لجنس الشياطين وذواتهم المستحقة للخلود في جهنم، فالأمران لا تعارض بينهما في سنن الله التكوينية والجزائية.