بيان دورة العذاب المتواصلة وتقلب المعذبين بين أنواع النكال؛ حيث يخبر سبحانه أنهم بعد أن يُساقوا من دركاتهم إلى موضع شجرة الزقوم والحميم خارج قعر الجحيم ليأكلوا ويشربوا، يُردون ويُرجعون قسراً إلى مقرهم الأصلي المستقر في قعر نار جهنم ولظاها.
قال الطبري في «جامع البيان» (21/ 78)جامع البيانالطبري٢١/٧٨: «يقول تعالى ذكره: ثم إن مرد هؤلاء الكفار ومصيرهم بعد أكلهم الزقوم وشربهم الحميم، لراجع إلى الجحيم؛ يعني إلى مستقرهم في عذاب النار، وعن ابن مسعود وابن عباس وقتادة قالوا: كانوا يخرجون من النار إلى الحميم والزقوم فيأكلون ويشربون، ثم يردون إلى منازلهم من الجحيم، فذلك قوله: {ثُمَّ إِنَّ مَرْجِعَهُمْ لَإِلَى الْجَحِيمِ}».
وقال السدي: «يذهب بهم إلى الحميم فيسقون منه، ثم يُردون إلى الجحيم؛ وهي النار الكبرى».
وقال ابن كثير: «أي ثم إن مصيرهم بعد هذا الأكل والشرب والتقلب في هذا العذاب، لراجع إلى نار جهنم وسعيرها، يتناوبون بين هذا وهذا، كما قال تعالى: {يَطُوفُونَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ}».
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{ثُمَّ}: حرف عطف يفيد التراخي والترتيب وتصعيد مراتب العذاب.
{إِنَّ}: حرف توكيد ونصب.
{مَرْجِعَهُمْ}: اسم «إنّ» منصوب بالفتحة وهو مصدر ميمي مضاف، و«هم» مضاف إليه؛ أي: رجوعهم ومصيرهم.
{لَإِلَى}: اللام المزحلقة للتأكيد، «إلى» حرف جر يفيد انتهاء الغاية.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
هذا التذييل يقطع أي توهم في استقرار العذاب أو توقفه؛ فبين القرآن أن خروجهم لأكل الزقوم وشرب الحميم لم يكن نجاة ولا فسحة راحة، بل كان نقلاً مؤقتاً لمضاعفة العذاب بالأمعاء المحترقة، ثم يكون المرجع الحتمي فوراً إلى قعر الجحيم لتلتهم النيران جلودهم وظواهرهم.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة توهم وجود خروج أو مهرب من الجحيم: هل يخرج الكفار من جهنم في أي لحظة؟
رد الشبهة بالمحاكمة العقدية للخلود وتنوع دورات العذاب: نفت الآيات أي خروج أو راحة؛ فالتقلب بين دركات النار وعيون الحميم وشجرة الزقوم هو داخل منظومة العذاب المغلقة: {كُلَّمَا أَرَادُوا أَن يَخْرُجُوا مِنْهَا مِنْ غَمٍّ أُعِيدُوا فِيهَا}، ولفظ {إِلَى الْجَحِيمِ} يؤكد أن النار هي مرجعهم ومصيرهم الأبدي الذي لا محيد عنه ولا تخفيف فيه.
المصدر الميمي {مَرْجِعَهُمْ} المؤكد بـ «إنّ» واللام: يدل على حتمية الصيرورة؛ كأن الجحيم هي وطنهم ومستقرهم الدائم الذي يُردون إليه رداً قسرياً لا مفر منه.
استعمال {ثُمَّ}: يبرز المراحل النفسية الرهيبة لرحلة العذاب؛ من الجوع إلى الزقوم، إلى العطش فالحميم، ثم الرجوع إلى الجحيم الكبرى.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
إدراك هول العذاب الدائم الذي لا هدنة فيه ولا استراحة؛ فالمؤمن يشفق على نفسه من هذا المصير المرعب.
الحرص على أن يكون مرجع الإنسان إلى جنات الخلد ورضوان الله؛ فكل نفس راجعة إلى بارئها إما إلى جنة أو إلى جحيم.