تصوير بشاعة المنظر وقبح الهيئة لثمار شجرة الزقوم؛ حيث يشبه سبحانه ثمرها وحملها الذي يخرج منها برؤوس الشياطين في بشاعتها وقبح منظرها وهويل صورتها التي تنفر منها الطباع وتفزع منها القلوب؛ أو بحيات خبيثة قبيحة تسمى في لغة العرب رؤوس الشياطين.
قال الطبري في «جامع البيان» (21/ 75)جامع البيانالطبري٢١/٧٥: «اختلف أهل التأويل في معنى رؤوس الشياطين؛ فقال مجاهد وقتادة وابن عباس في رواية: شبه ثمرها برؤوس مردة الجن والشياطين في قبح المنظر وبشاعته؛ لما استقر في نفوس العباد وفطرهم أن الشيطان أقبح ما يكون صورة وشكلاً، وقال آخرون: بل هي حية خبيثة قبيحة المنظر في أرض العرب تسمى رءوس الشياطين، وقال آخرون: هو نبت خبيث قبيح يسمى رءوس الشياطين، وأصح القولين هو تشبيهها برءوس الشياطين من مردة الجن لاستقرار قبح صورتهم في الأذهان».
وقال ابن كثير: «شبه طلعها - وهو ثمرها عند أول بروزه - برءوس الشياطين؛ وإن كانت لا تُرى، ولكن استقر في النفوس قبحها وبشاعتها، كما يستقر في النفوس حسن الملائكة في قوله: {مَا هَٰذَا بَشَرًا إِنْ هَٰذَا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ}».
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{طَلْعُهَا}: مبتدأ مرفوع بالضمة الظاهرة، و«ها» ضمير متصل مضاف إليه. والطلع: ما يطلع من الشجرة من ثمرها في أول بروزه كطلع النخل.
{كَأَنَّهُ}: «كأنّ» حرف تشبيه ونصب، والهاء اسمها في محل نصب.
{رُءُوسُ}: خبر «كأنّ» مرفوع بالضمة الظاهرة وهو مضاف.
{الشَّيَاطِينِ}: مضاف إليه مجرور بالكسرة الظاهرة. وجملة التشبيه في محل رفع خبر المبتدأ «طلعها».
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
هذا التشبيه البصري المرعب يكمل رسم صورة شجرة الزقوم؛ فبعد أن ذكر منبتها الفظيع في قعر الجحيم في الآية 64، نقل المشهد إلى ثمارها وطعامها؛ لتجتمع بشاعة المنظر مع مرارة الطعم وفساد الأصل.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة التشبيه بما لا يُرى (رؤوس الشياطين): كيف يشبه القرآن بشيء غيبي لم يره العرب بأعينهم؟
رد الشبهة بالمحاكمة البلاغية والخيالية لأصول التشبيه العربي: هذا من أرفع أساليب البلاغة وأعمقها تأثيراً في النفس ويسمى في علم البيان «التشبيه بالتخييل المستقر في الوجدان»؛ فالإنسان مفطور على تصور الشيطان بأبشع صورة مخيفة ومنفرة، فالتشبيه برؤوس الشياطين يطلق الخيال البشري إلى أقصى درجات الاستبشاع والذعر والنفور التي لا يمكن لأي كائن حسي مألوف أن يبلغها، تماماً كما شبه جمال يوسف بالملك الكريم {إِنْ هَٰذَا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ} مع أنهم لم يروا الملائكة عياناً ولكن استقر حسنهم في الفطرة.