الامتنان بشراب الجنة الفاخر المصفى وكمال الخدمة الملكية التي تحيط بهم؛ حيث يدور عليهم الغلمان المخلدون بأواني وكؤوس الشراب الرائق النقي المستخرج من أنهار وعيون جارية مستمرة النبع، لا ينضب ماؤها ولا تنقطع خمرها ولذائذها.
قال الطبري في «جامع البيان» (21/ 54)جامع البيانالطبري٢١/٥٤: «يقول تعالى ذكره: يطوف عليهم الخدم والغلمان بكأس؛ وهو الإناء الذي فيه الشراب، من مَعين؛ يعني: من خمر جارية من عيون الجنة، نابعة ظاهرة للعيون يراها الناظرون، ليست كخمر الدنيا المستخرجة بالعصر والتخمير الملوث، وعن ابن عباس وقتادة ومجاهد والضحاك قالوا: المعين: الخمر الجارية في أنهار الجنة الظاهرة للعيون».
وقال ابن كثير: «أي يطوف عليهم الخدم بكؤوس الخمر الجارية من الأنهار السارحة، والكأس في كلام العرب لا يسمى كأساً حتى يكون فيه شراب».
وقال السعدي: «يدار عليهم بكؤوس الخمر اللذيذة المستخرجة من العيون الجارية العذبة».
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{يُطَافُ}: فعل مضارع مبني للمجهول مرفوع بالضمة الظاهرة. والطواف: الدوران حول الشيء للإحاطة بالخدمة.
{عَلَيْهِم}: جار ومجرور في محل رفع نائب فاعل لـ «يطاف»، أو نائب الفاعل هو الجار والمجرور بكأس.
{بِكَأْسٍ}: جار ومجرور متعلق بيطاف. والكأس: مؤنثة، وتطلق على القدح إذا كان ممتلئاً بالشراب.
{مِّن مَّعِينٍ}: جار ومجرور متعلق بمحذوف نعت لـ «كأس». والمعين: مفعول من عان يعين أو فعيل من معن، وهو الماء أو الشراب الجاري الظاهر للعيون السهل التناول.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
هذا الإمداد بالشراب يأتي مكملاً لمجلس الأنس والاستقرار؛ فبعد أن استقروا {عَلَىٰ سُرُرٍ مُّتَقَابِلِينَ}، انطلقت الخدمة الفورية بالدوران عليهم بالكؤوس المترعة بأطيب الشراب، ليعيشوا قمة الرفاهية والنعيم الملكي دون أدنى كلفة أو حركة.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة قياس خمر الجنة على خمر الدنيا العفنة: كيف يمتن الله بالخمر في الجنة وهو يحرمها في الدنيا ويصفها بالرجس؟
رد الشبهة بالمحاكمة اللغوية والعقدية للبون الشاسع بين الخمرين: تشابه الأسماء لا يعني تماثل الحقائق؛ فخمر الدنيا نتنة الرائحة، كريهة الطعم في أصلها، مذهبة للعقل، مجلبة للصداع والقيء والفساد، محرمة لما فيها من خوارم المروءة؛ أما خمر الجنة فهي نابعة من عيون معينة طاهرة، بيضاء نقية، لذة للشاربين، منزهة عن كل رجس وأذى كما ستفصله الآيتان التاليتان: لا فيها غول ولا ينزفون عنها، فأين الثرى من الثريا!