تصوير مجالس الأنس والصفاء والمحبة الأخوية بين أهل الجنة؛ حيث يستريحون مستقرين على سرر فاخرة مكللة بالدر والياقوت، متقابلين بوجوههم لا ينظر بعضهم إلى قفا بعض؛ دلالة على كمال الألفة ونقاء القلوب وارتفاع كل غل وحسد وضغينة بينهم.
قال الطبري في «جامع البيان» (21/ 53)جامع البيانالطبري٢١/٥٣: «يقول تعالى ذكره: هم في جنات النعيم على سرر متقابلين؛ يعني يقابل بعضهم بعضاً بالوجوه، ولا ينظر أحد منهم إلى قفا صاحبه؛ لأن السرر تدور بهم حيث شاؤوا بالألفة والمحبة، وعن مجاهد وقتادة قالا: لا ينظر بعضهم في أقفية بعض، ولكنهم متقابلون يتحدثون ويتزاورون».
وقال علي بن أبي طالب وابن عباس في قوله: {وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَىٰ سُرُرٍ مُّتَقَابِلِينَ}: «نزع الله الغل من قلوبهم حتى يجلسوا متحابين متقابلين».
وقال ابن كثير: «أي وجوه بعضهم إلى بعض، ليس أحد مستدبراً أحداً، بل هم في غاية الأدب والصفاء وحسن العشرة».
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{عَلَىٰ سُرُرٍ}: جار ومجرور متعلق بمحذوف حال ثانية من الضمير في «مكرمون» أو متعلق بمتقابلين. والسرر جمع سرير؛ وهو المقعد المرتفع المزين المعد للراحة والتكريم والملوك.
{مُّتَقَابِلِينَ}: نعت لسرر على المعنى أو حال من الضمير في «مكرمون» منصوب بالياء لأنه جمع مذكر سالم. والتقابل: تفاعل من القَبَل؛ وهو مواجهة الوجه للوجه.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
هذا التفصيل ينتقل من البيئة العامة {فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ} إلى الجلسة الخاصة والأثاث الداخلي وهيئة الجلوس؛ لإبراز كمال الراحة النفسية والاجتماعية؛ فالنعيم الفردي لا يكتمل إلا بمجالسة الأحباب الصالحين وتبادل الأحاديث الودية في مناخ يفيض بالنور والأمان.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة توهم وقوع الحرج أو المداهنة في المجالس كما في الدنيا: في الدنيا قد يضطر الجليس لمواجهة من يكره أو يجلس مستثقلاً.
رد الشبهة بالمحاكمة النفسية لنقاء قلوب أهل الجنة: التقابل في الجنة {مُّتَقَابِلِينَ} ناتج عن كمال المحبة الخالصة؛ إذ طهر الله قلوبهم من كل غل وحقد وتنافس: {إِخْوَانًا عَلَىٰ سُرُرٍ مُّتَقَابِلِينَ}، فكل جليس يرى في وجه أخيه جمالاً وألَفَة وسروراً ينعكس على روحه بالبهجة المطلقة.