استكمال أوصاف الملائكة المقسم بهم؛ وهم الملائكة الموكلون بزجر السحاب وسوقه إلى حيث أمر الله، أو بزجر العباد ونهيهم عن معاصي الله بما يلقونه في قلوبهم من خواطر الخير ووازع التقوى، أو بزجر الشياطين ورجمهم عن استراق السمع.
قال الطبري في «جامع البيان» (21/ 6)جامع البيانالطبري٢١/٦: «اختلف أهل التأويل في معنى الزاجرات زجراً؛ فقال ابن مسعود وابن عباس ومسروق ومجاهد وقتادة والربيع بن أنس: هم الملائكة تزجر السحاب وتسوقه بأمر الله إلى حيث يشاء. وقال آخرون: هم الملائكة تزجر عن معاصي الله بما يلقونه في قلوب المؤمنين من النواهي والمواعظ. وقال السدي: تزجر الشياطين عن استراق السمع بالشهب الثواقب، وكل هذه المعاني صحيحة في وظائف الملائكة الكرام».
وقال ابن كثير: «الزاجرات زجراً: الملائكة تزجر السحاب وتصرفه بأمر الله، أو تزجر العصاة وتمنع الشياطين».
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{فَالزَّاجِرَاتِ}: الفاء عاطفة تفيد الترتيب والتعقيب أو تنوع الصفات لموصوف واحد، «الزاجرات» اسم مجرور معطوف على الصافات، وعلامة جره الكسرة الظاهرة. والزاجرات جمع زاجرة، وهو اسم فاعل من زجر يزجر، والزجر هو الصرف والدفع والمنع بصوت أو قوة وشدة.
{زَجْرًا}: مفعول مطلق منصوب بالفتحة الظاهرة مؤكد لعامله.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
العطف بالفاء {فَالزَّاجِرَاتِ} بعد {وَالصَّافَّاتِ} يدل على ترتب الوظائف؛ فالملائكة أولاً تصطف في مقام الطاعة والامتثال، ثم تنطلق فوراً لتنفيذ الأوامر بالزجر وسوق المقادير وحراسة الملكوت، مما يظهر سرعة استجابتها لرب العالمين.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة توهم الصدفة المادية في تحرك السحب والرياح: يدعي الماديون أن حركة السحاب نتاج آلي صرف للضغط الجوي دون تدبير ملكوتي غيبي.
رد الشبهة بالجمع بين الأسباب المادية والأمر التكويني الغيبي: القرآن يقرر أن القوانين الطبيعية خادمة للأمر الإلهي؛ فالله سخر الملائكة بتدبير الرياح والسحاب وفق تلك القوانين التي سنها هو سبحانه، فالقوانين الفيزيائية هي الوسيلة المشاهدة، وأمر الله النافذ على أيدي ملائكته هو المحرك الفاعل والمدبر الأصلي.