كشف العلة العميقة والجذر الفكري والنفسي الذي أوردهم هذا الجحيم والزقوم؛ وهو مرض «التقليد الأعمى للآباء والأسلاف» دون تفكر ولا تدبر؛ حيث يخبر سبحانه أن هؤلاء المشركين وجدوا آباءهم وأسلافهم تائهين ضالين عن التوحيد والهدى، فبدلاً من أن يحاكموا موروثهم بالعقل والوحي، اتبعوهم على عماهم.
قال الطبري في «جامع البيان» (21/ 79)جامع البيانالطبري٢١/٧٩: «يقول تعالى ذكره: إن هؤلاء المشركين الذين فعلنا بهم هذا الفعل في جهنم، إنما استحقوا ذلك لأنهم وجدوا آباءهم في الدنيا ضالين عن طريق الحق، جاهلين بتوحيد الله ورسالته، فألفوهم على تلك الضلالة؛ والإلفاء في كلام العرب: الوجدان والمصادفة، يقال: ألفيت الشيء إذا وجدته وصادفته».
وقال قتادة ومجاهد: «{أَلْفَوْا}؛ أي وجدوا آباءهم على الشرك والضلال فاتبعوهم».
وقال ابن كثير: «علل تعالى ما عاقبهم به بأنهم ألفوا آباءهم؛ أي وجدوهم على الضلالة، فاتبعوهم بغير دليل ولا برهان».
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{إِنَّهُمْ}: «إنّ» حرف توكيد ونصب، و«هم» اسمها.
{أَلْفَوْا}: فعل ماض مبني على الضم المقدر على الألف المحذوفة، والواو فاعل. وألفى يتعدى لمفعولين؛ الأول «آباءهم»، والثاني «ضالين».
{آبَاءَهُمْ}: مفعول به أول منصوب بالفتحة الظاهرة، و«هم» مضاف إليه.
{ضَالِّينَ}: مفعول به ثانٍ منصوب بالياء لأنه جمع مذكر سالم. والضال: التائه المنحرف عن الصراط المستقيم. وجملة ألفوا آباءهم خبر «إنّ».
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
هذا التعليل يمثل المحاكمة العقلية والأخلاقية لسلوكهم؛ فلما وصف فظاعة عذابهم في الآيات السابقة (الزقوم، الحميم، الجحيم)، بين هنا أن هذا الجزاء لم يكن اعتباطاً، بل كان جزاء جريمة كبرى وهي تعطيل نعمة العقل واتباع الضلال المتوارث.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
رد الشبهة بالمحاكمة العقلية لاستقلال الفكر ومسؤولية الفرد: نسف القرآن قداسة الموروث الباطل؛ فالبر بالآباء إنما يكون في المعروف، أما في العقائد والأصول فالميزان هو الحجة والبرهان؛ لأن الأب قد يكون جاهلاً أو ضالاً، واتباع الضال في ضلاله غباوة وسقوط عقلي يقود إلى نفس الجحيم، فالإنسان محاسب بصفته الفردية لا بقبيلته وتراث أجداده.