التعبير الصريح عن الشبهة الكبرى والعقدة الأساسية التي صدت كفار قريش عن الإيمان؛ وهي استبعاد البعث بعد الموت؛ حيث يقولون بإنكار وجحود مستهزئين: أإذا هلكنا ومزقنا البلى في القبور، وصرنا تراباً متبدداً وعظاماً نخرة رميمة، أنعاد ونبعث بعد ذلك أحياءً للحساب والجزاء؟! إن هذا في أوهامهم شيء مستحيل!
قرأ نافع والكسائي ويعقوب بالاستفهام في الأول على الخبر في الثاني، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو بتسهيل الهمزة الثانية، وقرأ عاصم وحمزة وابن عامر بالاستفهام في الموضعين {أَإِذَا... أَإِنَّا} لتحقيق الإنكار والتشديد فيه.
قال الطبري في «جامع البيان» (21/ 24)جامع البيانالطبري٢١/٢٤: «يقول تعالى ذكره: ويقول هؤلاء المشركون المكذبون بالبعث: أإذا متنا ففنيت أجسامنا، وكنا تراباً في الأرض وعظاماً بالية مجردة عن اللحم، أإنا لمبعوثون بعد ذلك أحياء كهيئتنا قبل الموت؟ يقولون ذلك تكذيباً بقدرة الله وإنكاراً للقيامة».
وقال قتادة: «استبعدوا قدرة الله على إحياء الأجساد بعد صيرورتها تراباً وعظاماً».
وقال ابن كثير: «يخبر تعالى عن قيلهم وكفرهم واستبعادهم للمعاد؛ أنهم إذا صاروا تراباً وعظاماً كيف يعادون؟».
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{أَإِذَا}: الهمزة للاستفهام الإنكاري الاستبعادي، «إذا» ظرف زمان تضمن معنى الشرط خافض لشرطه منصوب بجوابه المحذوف، أو متعلق بـ «مبعوثون».
{مِتْنَا}: فعل ماض مبني على السكون لاتصاله بنا الفاعلين، و«نا» فاعل.
{وَكُنَّا}: الواو عاطفة، «كنا» فعل ماض ناقص، و«نا» اسمه.
{تُرَابًا}: خبر «كان» أول منصوب بالفتحة الظاهرة.
{وَعِظَامًا}: الواو عاطفة، «عظاماً» معطوف على تراباً منصوب بالفتحة.
{لَمَبْعُوثُونَ}: اللام المزحلقة للتأكيد، «مبعوثون» خبر «إنّ» مرفوع بالواو لأنه جمع مذكر سالم، وجملة «إنا لمبعوثون» مفسرة للجواب المقدر لـ «إذا». والمبعوث: من بُعث وأُخرج حياً من قبره.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
هذا الإعلان الصريح بإنكار البعث يمثل المصب الحقيقي لكل ما تقدم من مواقفهم (السخرية، وترك التذكر، ورمي الآيات بالسحر)؛ فجذر كفرهم هو إنكار اليوم الآخر؛ لأن إنكار البعث يسقط في زعمهم كل مسؤولية أخلاقية وتكليف إلهي.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة استبعاد البعث بناء على قياس البلى على العدم المطلق: يرى المشرك العظم يتفتت ويختلط بالتراب فيظن أن الذات فنيت فناءً أبدياً لا عودة له.
رد الشبهة بالمحاكمة الفيزيائية والمنطقية لقدرة الخالق: الموت ليس فناءً كلياً للذرات، بل هو تحلل وتفرق لعناصر البدن في تراب الأرض، والتراب مادة موجودة يعلم الله مستقر كل ذرة منها، والقادر على جمع النطفة وتصويرها إنساناً أول مرة أهون عليه في القياس العقلي أن يجمع الذرات المتفرقة في التراب ويعيد تركيبها، فاستبعاد الإعادة جهل بحقيقة القدرة الإلهية المطلقة.
الجمع بين {تُرَابًا وَعِظَامًا}: تفصيل لمراحل البلى؛ فاللحم والجلد يتحول تراباً أولاً، ثم العظام القوية تتفتت آخراً، كأنهم يقولون: لو بقي منا عظم واحد لربما، أما إذا صرنا تراباً وعظاماً فكيف نبعث!
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
ترسيخ اليقين بالبعث والحساب؛ فالمؤمن يعلم أن رميم القبور سيقف غداً حياً ناطقاً بين يدي الله، فيعمل لهذا اليوم حساباً.
عدم الانخداع بمنطق المنكرين والماديين المعاصرين الذين يرددون نفس الشبهة الجاهلية في إنكار الحساب الأخروي.